هل المراهقة أزمة؟ حوار الآباء

هل المراهقة أزمة؟
حوار الآباء

 

إن المعاناة التي نعاني منها هذه الأيام وقد بلغ أبناؤنا السادسة عشرة جعلتنا مقتنعين تمامًا أنه واجب عليّنا أن ندرس أحوال ابنائنا ، وكيفية التعامل معهم أثناء تربيتنا لهم في مراحل نموهم المختلفة .
وقد تبدو أهمية الأمر حيث أن كلنا لديه أولاد في هذه السن ، وكلنا في حيرة ؛ أي طريق نسلكه في تربيتهم ؟ !
فبجانب أن هناك تغيرًا كبيرًا في سلوكيات كثيرة كنا قد عَلَّمْنَاهَا أولادنا في طفولتهم – نفاجأ وقد وصلوا إلى سن الخامسة عشرة والسادسة عشرة وقد نسوا – أو تناسوا– تلك الأخلاقيات .
قال صديقي: وظهرت مصائب أخرى ؛ مثل : شرب السجائر ، والهَوَس بالسينما ، ومعاكسة بنات الجيران .
قال صديق آخر مبتسمًا : والحب يا خويا ……الحب ! !
قال ثالث : والبجاحة ، ورفع الصوت عليَّ ، وعلى والدتهم ، وطلبهم للنقود المستمر ، والتأخر في الدراسة ، والرغبة في الخروج من المنزل.
– والبنت التي أصَبحْتُ بالنسبة لها كومة من (الروبابكيا) أو كما تقول موضة قديمة ، لقد أصبحت أخجل من الخروج معها من ملابسها العجيبة .
ويستمر حوار الآباء:مشكلة البنات أسهل ؛ فهن أكثر انطواء .
– وهذه هى المشكلة ، فكم من مرة أدخل على ابنتي التي بلغت الخامسة عشر فأجدها تبكي ، وعندما أسألها : لماذا ؟ تقول : لا شيء يا أبي ، حتى أمها لم تستطع أن تعرف الكثير من مشاكلها .
– بسيطة ؛ اسأل زميلاتها وستجد كلَّ أسرارها عندهم . أنا ابني يبقى في البيت مكشرًا ومتمردًا وثائرًا ، وألاحظه بين أصدقائه الذين يسميهم (الشِّلة) مبتهجًا مسرورًا ، وأحيانًا ينظر نحوي ويبتسم ويضحكون ، وأشعر أنهم يسخرون مني .
– الحقيقة يا جماعة نحن في أزمة جعلتني أشعر أن لدىَّ مصيبة في البيت ، الولد والبنت ؛ سنهما قريب مِنْ بعضهما ، وطوال النهار هو يحب سماع الموسيقى الصاخبة ، وهي تحب الموسيقى الهادئة ، هو يحب أفلام العنف ، وهي تحب أفلام الدراما! والتليفون واستعمالاته السيئة، والنت ومواقع التواصل الاجتماعي والمجموعات والشات ………….
ثم هدأتْ نبرة الجميع ، واكتست بالحزن ، وكادوا أن يقولوا في صوت واحد : والله نحن في أزمة .
وتمتم الجميع موافقين على كلامه .
قلت لهم:الحقيقة يا جماعة هي أزمة ، ولكن لها حل .
من مشاكلكم التربوية أنكم تخلطون بين ما هو من مستلزمات هذه السن – وهى الأمور التي تكتسبها الشخصية نتيجة النمو – وبين الأخلاقيات التي تنتج عن البيئة المحيطة من الأسرة والمجتمع وأساليب التربية.
انتبه الجميع وقال أحدهم: ماذا تقصد ؟
قلت : أقصد أن مرحلة البلوغ يصاحبها نمو في الجسم داخليًّا وخارجيًّا ، ونمو في المشاعر والانفعالات ، وهذا النمو مستمر حيث بدأ في مرحلة البلوغ ، ويصل إلى قمته وعنفوانه في هذه السن ؛ من 15 إلى 18 سنة ، وهي (مرحلة المراهقة) ، ويصاحب هذه المرحلة الاستمرار في التغيُّرات التي بدأت مع البلوغ ، وتصاحبها أيضًا انفعالات ومفاهيم تأخذ في النمو أكثر وأكثر ، وتظهر على هيئة سلوكيات يظنها الآباء انحرافًا عن الأخلاق ، أو سوءًا في الأدب ، ولو عالجوها من خلال فهمهم لنمو الابن فسوف يقلِّلون على الأقل أثرها السيئ ، ويُحَوِّلون مجراها إلى الخير.
قال أحدهم معترضا : أن هذا التعميم لا يصح ؛ فنحن نرى أخلاقًا عجيبة لا تستطيع إلا أن تسميها قلة أدب ، وسوء تربية .
قلت : وهذا ما قصدته بالخلط ، فهذا الجانب الفطري يصاحبه جانب اكتسابي ؛ من خلال البيئة المدرسية والمنزلية والوالدين وغيرها ، فيصبح التعبير عن الجانب الأول (الفطري الذي سببه النمو) مخلوطًا بما يحصل عليه الابن من الجانب الثاني الاكتسابي من البيئة المحيطة.
قال أحدهم وهو ينظر إلى أصدقائه: فاهمين حاجة ؟ !
قلت وانا أبتسم : أفهمك : تشكون جميعًا من معاكسات البنات ، ومن الهَوَس بالسينما ، ولم تقولوا : وخاصة السينما الجنسية .
قال صديقي بطريقة مسرحية : والحب ؟ !
قلت مبسمًا : والحب.. تشكون من هذا السلوك وتسمونه قلة أدب ، والحقيقة هو يجمع بين الجانبين :
جانب أنه بسبب النمو
وجانب أنه قلة أدب .
أما كونه بسبب النمو فأنتم قرأتم ما سَبَّبَه النمو العضوي الداخلي للولد أو البنت في مرحلة البلوغ ، من ظهور لكثير من المظاهر التي جعلتهم يتركون مرحلة الطفولة جانبًا ، وقرأتَ ما سَبَّبَه النمو الوجداني من ظهورعاطفة الحب؟
أشاروا برؤسهم دليلاً على الإيجاب
قلت موجِّهًا كلامَهُ للجميع : فهذا النمو حَرَّك عند الولد دافع الجنس ، فبدأ يؤثر في سلوكه ليتجه ناحية الجنس الآخر .
وقرأتم أيضًا واجبات التربية لمواجهة هذا النمو ؛ من غض البصر ، وآداب الاستئذان ، والمجتمع النظيف وغيرها.
فإذا لم يتم تطبيق مثل هذه الواجبات ، وإذا لم توجه التربية لتفادي اندفاعات النمو في مرحلة المراهقة ، وإذا غاب الوالدان عن الوعي فلا يفيقا إلا بضربات قوية على رأسهم من تصرفات المراهق أو المراهقة غير المسؤولة ، وإذا لم يحدث ذلك كله ستشتد الأزمة وتشتد.
يبدو أن كلامي كان مؤثرًا ، لدرجة جعلت الجميع ينكسون رؤوسهم ؛ استشعارًا بالتقصير تجاه أولادهم .
وقَطَعَ السكونَ صوتُ صديقنا المرح قائلا : إن شاء الله لها مخرج ، وسوف يكبر الأولاد ونعتبر هذه ذكريات.
قلت بجدية : نعم لها مخرج ، ولكن لا تنتظر حتى يكبر الأولاد ، ويدخلون مرحلة رشدهم بنفس الأخلاقيات والسلوكيات التي لم تُقَوَّم في المراهقة، وكما تركناهم في الطفولة وقلنا : ( لا زالوا صغارًا ) فحصدنا نتاج ذلك في مراهقتهم . واعلموا إن أخلاق المراهق وتصرفاته تعكس أسلوب تربيته وهو طفل .
قاطعني أحدهم قائلا : وما المَخْرَجُ إذا ؟
قلت : أن ندرس مرحلة المراهقة هذه لنعرف ملامح هذه المرحلة ، وتطوراتها ، ومطالبها الفطرية ، والطرق التي توجِّه بها هذه المرحلة إلى الطريق السليم ؛ ولتصبح بعد ذلك : (مراهقة بلا أزمة) .
لابد أن نعترف جميعا أننا لم نتعلم التربية يوما ما ولم تمر علينا اساليبها ووسائلها في أي مقرر تعليمي
اذا وحتى لا يتحول اولادنا وبناتنا الى ازمة لابد من تعلم التربية
د.أكرم رضا

 للتحميل

Comments

comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*