من وسائل التربية (1-5) التربية بالقدوة

من وسائل التربية (1-5)
التربية بالقدوة

مَنِ المخطئ؟
ابتسم الأستاذ محمد الخبير التربوي وهو يقول: اسمعوا هذه الحكاية:
الأستاذ (حافظ) رجع إلى البيت الساعة الثالثة، وكان في أشد حالات التعب، فدخل إلى حجرته، وأخبر زوجته أنه سينام، ورجا ألا يزعجه أحد.. وما إن أغمض عينيه حتى دق جرس التليفون، فرفع السماعة ابنه فريد، فقال المتكلم:
– آلو ……. بابا موجود يا حبيبي؟
وقبل أن يجيب أمسكت أمه التليفون، وقالت:
– الأستاذ غير موجود!
نظر فريد – باستغراب – إلى أمه!
وبعد أن مرت نصف ساعة دق جرس الباب، فإذا بأحد أصدقاء والده يسأله:
– بابا موجود يا حبيبي؟
احتار فريد، بماذا يرد؟ وبعد لحظة اندفع إلى حجرة أبيه.
– بابا.. بابا، الأستاذ فلان على الباب.
ومن بين أكوام النعاس قال له الأب:
– قل له: غير موجود.
فاندفع فريد إلى الباب مرة أخرى، وقال للرجل:
– بابا نايم، وبيقول لك: إنه غير موجود‍!!
ابتسم الجميع، وضحك البعض من هذه القصة.
أهمية القدوة
لقد استوعبت السيدة أم سلمة ▲.
عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ وَمَرْوَانَ يُصَدِّقُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَدِيثَ صَاحِبِهِ قَالا: «… فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ قَضِيَّةِ الْكِتَابِ (كتابة وثيقة صلح الحديبية) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لأَصْحَابِهِ: «قُومُوا فَانْحَرُوا، ثُمَّ احْلِقُوا».
قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا قَامَ مِنْهُمْ رَجُلٌ، حَتَّى قَالَ ذَلِكَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا لَمْ يَقُمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ دَخَلَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ، فَذَكَرَ لَهَا مَا لَقِيَ مِنَ النَّاسِ. (وكان ذلك في العام السادس من الهجرة؛ حيث أراد رسول الله ﷺ وأصحابه أن يدخلوا مكة معتمرين، فمنعتهم قريش، وعقدوا هذا الصلح بعد الشروط التي وافق عليها الرسول ﷺ. ورأى الصحابة أن فيها بعض الإجحاف، فشعروا بغيظ شديد أن لا يتموا عمرتهم، فجلسوا ولم يحلوا من إحرامهم.)
فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ: أَتُحِبُّ ذَلِكَ؟ اخْرُجْ ثُمَّ لا تُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ كَلِمَةً حَتَّى تَنْحَرَ بُدْنَكَ، وَتَدْعُوَ حَالِقَكَ فَيَحْلِقَكَ.
فَخَرَجَ، فَلَمْ يُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ – نَحَرَ بُدْنَهُ وَدَعَا حَالِقَهُ فَحَلَقَهُ – فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ قَامُوا فَنَحَرُوا، وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَحْلِقُ بَعْضًا حَتَّى كَادَ بَعْضُهُمْ يَقْتُلُ بَعْضًا غَمًّا » (رواه البخاري)
ولذلك نجد الشاعر يصرخ في هؤلاء الذين يقولون ما لا يفعلون:
يَا أَيُّهَا الرَّجُـلُ المُعَلِّــمُ غَيــرَهُ
هَلاَّ لِنَفْسِكَ كَانَ ذَا التَّعْلِيــمُ
تَصِفُ الدَّوَاءَ لِذِي السِّقَامِ وَذِي الضَّنَى
كَيمَا يَصِحُّ بِهِ وَأَنْتَ سَقِيــمُ
ابْدَأْ بِنَفْسِكَ فَانْهَهَــا عَـنْ غَيِّهَــا
فَإِذَا انْتَهَتْ عَنْهُ فَأَنْتَ حَكِيـمُ
فَهُنَاكَ يُقْبَلُ مَا وَعَظْـتَ وَيُقْتَــدَى
بِالْعِلْمِ مِنْكَ وَيَنْفَـعُ التَّعْلِيــمُ
عَنْ عَائِشَةَ ▲ قَالَتْ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ: تُقَبِّلُونَ الصِّبْيَانَ؟! فَمَا نُقَبِّلُهُمْ.
فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَوَ أَمْلِكُ لَكَ أَنْ نَزَعَ اللهُ مِنْ قَلْبِكَ الرَّحْمَةَ» (رواه البخاري)
عَنْ أَبَى هُرَيْرَةَ  قَالَ: قَبَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ وَعِنْدَهُ الأقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ التَّمِيمِيُّ جَالِسًا، فَقَالَ الأقْرَعُ: «إِنَّ لِي عَشَرَةً مِنَ الْوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أَحَدًا». فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ قَالَ: «مَنْ لا يَرْحَمُ لا يُرْحَمُ» (رواه البخاري)
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ أَنَّهُ قَالَ: دَعَتْنِي أُمِّي يَوْمًا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَاعِدٌ فِي بَيْتِنَا، فَقَالَتْ: هَا تَعَالَ أُعْطِيكَ. فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَمَا أَرَدْتِ أَنْ تُعْطِيهِ؟» قَالَتْ: أُعْطِيهِ تَمْرًا. فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَمَا إِنَّكِ لَوْ لَمْ تُعْطِهِ شَيْئًا كُتِبَتْ عَلَيْكِ كِذْبَةٌ» (رواه أبو داود)
وَلَيسَ النَّبْتُ يَنْبُتُ فِي جِنَــــانٍ
كَمِثْلِ النَّبْتِ يَنْبُتُ فِي الفَـــلاةِ
وَهَلْ يُرْجَى لأَطْفَـــالٍ كَمَـــالٌ
إِذَا ارْتَضَعُوا ثَدْيَ النَّاقِصَاتِ؟
قال سامح في أسى:
– الحقيقة أن الوالدين هم أحوج الناس إلى إعادة التقييم، ومراجعة مفاهيم التربية؛ ليتسنى لهم القدرة على توجيه أولادهم.
وتنســون أنفســكم
قال عليٌّ ضاحكًا:
– أنا قلت: إن الأولاد سوف يربوننا قبل أن نربيهم.
عَقَّبَ صالح:
– أنا أتعجَّب عندما أجد أحدًا من أصدقائي منفعلا لأن ابنه يشرب السجائر مثلا، أو يشاهد الأفلام غير اللائقة، وأنا أعلم تمام العلم أنه يفعل أكثر وأكثر.
قال الأستاذ محمد في هدوء:
– هذا الأمر يدخل تحت وعيد الله ▐:
يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ [الصف: 2-3]
– قال سامح مكملا:
وقوله ▐: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وأَنتُمْ تَتْلُونَ الكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ [البقرة: 44]
قال عبد القادر:
– أظن أن هذه الآيات تتكلم عن العلماء الذين يعظون الناس.
ابتسم الأستاذ محمد واستدار إلى عبد القادر بكل جسده وقال في شيء من الشدة:
– والوالدان اللذان يقولان ما لا يفعلان، واللذان يريدان من أبنائهم قمة المثالية ولا يريدانها لأنفسهما، ماذا تقول فيهم؟!
استمعْ إلى الجاحظ وهو يقول: إن عقبة بن أبي سفيان لَمَّا دفع ولده إلى المؤدِّب قال له: ليكن أول ما تبدأ به من إصلاح ابني إصلاح نفسك؛ فإن عينهم معقودة بعينك، والحَسَن عندهم ما استحسنت، والقبيح عندهم ما استقبحت، وعلِّمهم سِيَر الحكماء، وأخلاق الأدباء.
ثم أكمل الأستاذ محمد:
– أريد أن يسمع هذا الحديث كلُّ والد ووالدة من الذين يصبون النصائح والمواعظ كل يوم صبًّا في آذان أبنائهم، ثم هم بعيدون كل البعد عمَّا يقولون.
عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ  قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «يُؤْتَى بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ، فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُ بَطْنِهِ فَيَدُورُ بِهَا كَمَا يَدُورُ الْحِمَارُ بِالرَّحَى، فَيَجْتَمِعُ إِلَيْهِ أَهْلُ النَّارِ فَيَقُولُونَ: يَا فُلانُ: مَا لَكَ؟ أَلَمْ تَكُنْ تَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ؟! فَيَقُولُ: بَلَى، قَدْ كُنْتُ آمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَلا آتِيهِ، وَأَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ وَآتِيهِ» (رواه أبو داود)
بدا التأثر على وجوه الحاضرين، فابتسم الأستاذ محمد وقال:
– ما رأيك يا أستاذ علي؟ أليس للأولاد فضل علينا؛ حيث نبدأ بتربية أنفسنا قبل تربيتهم؟
نظر عليٌّ إلى صالح وقال في غضب مَشُوب بالابتسامة:
– خلاص هابطل التدخين، مبسوط يا صالح؟
ضحك الجميع متفهمين ما بين الصديقين.

الأخ الأكبر
قال الأستاذ محمد:
– هذا بالنسبة لقدوة الوالدين، وينبغي أن نعلم أن الولد الأصغر يحاكي عادةً الولد الأكبر، فيجب على الوالدين أن يهتمَّا جدًّا بتربية الكبير وتوجيهه؛ ليكون خير قدوة للأصغر منه.
قدوتنا رسول الله ﷺ
قال سامح:
– أظن عندما يقول الله ▐ لنا:
لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ والْيَوْمَ الآخِرَ وذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [الأحزاب: 21]
ويقول ▐: وإنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم: 4]
نعلم ساعتها مَنْ هو القدوة التي لا بُدَّ أن ندل أولادنا عليها.
قال الأستاذ محمد مكملا:
– عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: سُئِلَتْ السيدةُ عَائِشَةُ عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَتْ: «كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ» (رواه أحمد)
ويقول سعد بن أبي وقاص: «كنا نُعَلِّم أولادنا مغازي رسول الله ﷺ كما نعلمهم السورةَ من القرآن».
ويقول عبد الله بن مسعود: «من كان متأسِّيًا فليتأسَّ بأصحاب رسول الله ﷺ الذين كانوا أبر هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، وأقومها هديًا، وأحسنها حالا».
وروى الطبراني أن رسول الله ﷺ قال: «أدِّبوا أولادَكُم عَلَى ثَلاثِ خِصَالِ: قراءة القرآن، وحب نبيكم، وحب آل بيته».
عَمَّ السكون الأصدقاء عندما قاطع صالح قائلا:
– عظيم، ولكن ماذا نقول في القدوة التي يختارها المراهق لنفسه؟ لا أريد أن أعيد ما دائما نقوله عن اثر النجوم والكواكب والأعلام، ولكن الجانب الإيجابي في الموضوع أن ننمي عنده قدوة النبي ﷺ وأصحابه، والوالدين والأخ الأكبر. والجانب السلبي هو: كيف أمنعه عن الاقتداء بمن امتلأت الحياة من حولنا بهم؟
قاطعه الأستاذ محمد قائلا في حزم:
– الصديق
نظر الجميع كلهم نظرة استزادة، فقال الأستاذ محمد:
عَنِ المَرْءَ لا تَسَلْ، وَسَلْ عَنْ قَرِينَهُ
فَكُلُّ قَـــرِينٍ بِالمَقَارَنِ يَقْتَدِي
ومن هنا كانت وصية (ابن سينا) في تربية الأولاد: «أن يكون مع الصبي في مكتبة (أي مدرسته) أقرانٌ حَسَنَة آدابهم، مُرضِيَة عاداتهم؛ لأن الصبي عن الصبي ألقن، وهو عنه آخذ، وبه آنس».
شِلَّة الأقران:
قال سامح متسائلا:
– ومن هنا ظهرت مشكلة شلة الأقران في علم النفس.
قال عليٌّ في سرعة:
– نَعَم، الشلة.
قال الأستاذ محمد:
– في المرحلة السابقة (مرحلة البلوغ) كان الأمر يقتصر على الصديق الواحد الذي يتغير بتغير الظروف، وفي هذه المرحلة تبدأ عملية الاقتداء بمجموعة ليشكِّلوا معًا عالمهم الخاص.
قال صالح:
– وتظهر العصابات والانحرافات.
أشار الأستاذ محمد بيده وقال:
– الحقيقة لا أحب أن أنقل من كتب علم النفس التي نقلت من كتب الغرب تجربتهم بحذافيرها ولكن أقولها في كلمة واحدة:
كن صديق ابنك الحميم
انفعل عبد القادر قائلا:
– يا أستاذ محمد: إنه يعتبرني لا أعلم ما يعلم، ويعتبرني من جيل آخر.
أراد الأصدقاء أن يتدخلوا، ولكن أشار الأستاذ محمد إليهم برأسه مبتسمًا، وقال:
– الولد والبنت يستشعران الغربة مع الوالدين؛ عندما يرون أن كلَّ تصرف من تصرفاتهم خطأ بالنسبة لهم، صواب بالنسبة لأصدقائه أو أصدقائها.
إن للسر لذة عجيبة عند المراهق في هذه السن، فلماذا لا تعطيه سرَّكَ؟ لماذا لا تخرج معه في نزهة، لماذا لا تكف عن مواعظك؟
ضحك الجميع من أسلوب الأستاذ محمد.
وقال عبد القادر مبتسمًا:
– من أين نأتي بالوقت لهذا كله؟
نظر إليه الأستاذ محمد، فقال سامح:
– إذن المشكلة مشكلة وقت؟
قال صالح:
– وأنا جربت مع ابنتي تجربة؛ أن آخذها معي مقر شركتي، وجعلت لها مكتبًا خاصًّا بها هناك، وكلفتها ببعض الأعمال المهمة فشعرت أنها أصبحت أكثر ثقة بي، والتصاقًا بوالدتها، وأصبحت أستطيع أن أقول لها: صادقي هذه، واتركي تلك.
قال الأستاذ محمد مستكملا:
– لا بُدَّ لابنك من صديق حميم، ولا بُدَّ لابنتك من صديقة حميمة، فكن أنت وأمه هذا الصديق؛ لتصبح لهم قدوة.
د. أكرم رضا
التالي: من وسائل التربية (2-5) : التربية بالعادة

https://drive.google.com/file/d/1SY3_cQ6Mq5TEq7cHwygn1JLEuOkkSc5x/view?usp=sharing

Comments

comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*