#ادارةالذات الإيمـــــــــــان وطاقة الثقة بالنفس

#ادارةالذات

الإيمـــــــــــان وطاقة الثقة بالنفس

 

تحدثنا في مقال سابق عن المولدات الستة لطاقة الثقة بالنفس وكان آخرها الإيمان وقلنا هناك:

نعم؛ الإيمان بالله

وهل غيره؟!!

يقول ديل كارنيجي في كتابه (دع القلق وابدأ الحياة): «إن أغلب حوادث الانتحار، ومعظم حوادث الجنون يمكن تفاديها في شبابنا إذا أدخلنا إلى قلوبهم شيئًا من الهدوء النفسي، وهل نستطيع إلا إذا عودناهم الإيمان بالله؟!!».

وللإيمان بالله معنا نحن المسلمين حديث طويل محبب الى نفوسنا وقدرته على تغييرنا عجيبة ومجربة

وسيكون لنا معه حديث خاص في الإمداد بطاقة الثقة بالنفس

هكذا قلنا هناك

****

والآن استمع إلى قول الحق تبارك وتعالى:

(أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إذا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ حُلَفَاءَ الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ) [النمل:62].

هل التجاء الإنسان إلى ربه في ساعة الشدة يأتي بافتعال؟

أقول: لا، إنها فطرة داخلية يتوجه بها إلى ربه عندما تضيق به الدنيا.

والعجيب أن الله -لأنه خبير بمن خلق- (أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) [تبارك:14] أخبر عن تلك الفطرة: التجاء الإنسان – حتى الغافل – إلى ربه وحده ساعة الشدة.

اقرأ معي هذه الآيات ولك أن تبتسم من نفسك يا إنسان:

(هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * فَلَمَّا أَنجَاهُمْ إذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُم) [يونس: 22 – 23].

عجيب أمر الإنسان!

والعجيب أن من خاف شيئًا أو من شيء فر منه، أما الله.. فإن خفت شيئًا أو حتى خفت منه، فالنجاة أن تفر إليه: (فَفِرُّوا إلى اللهِ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ) [الذرايات:50].

وورد في القصص القديم أن كليم الله موسى – عليه السلام – وقف ينادي ربه قائلاً: يا رب أقريب أنت فأناجيه أم بعيد فأناديه، فرد عليه رب العزة: يا موسى، أنا عن يمينك وعن شمالك ومن فوقك يا موسى: أنا من أمامك ومن خلفك، يا موسى: أنا جليس عبدي حين يذكرني، وأنا معه إذا ناداني.

وورد أن أحد أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم سأله نفس السؤال: أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ فأنزل الله تعالى قوله في القرآن:

(وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إذا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) [البقرة: 186].

******

الذي في السماء

ومع الحبيب المصطفى – صلى الله عليه وسلم – يحلو الإنصات:

روى ابن خزيمة أن قريشًا جاءت إلى الحصين (وهو أبو عمران بن حصين الصحابي – رضي الله عنه) وكانت تعظمه – فقالوا له: – كلم لنا هذا الرجل فإنه يذكر آلهتنا ويسبهم (يقصدون رسول الله – صلى الله عليه وسلم) وجاءوا حتى جلسوا قريبًا من باب النبي – صلى الله عليه وسلم – فقالوا: أوسعوا للشيخ..

وابنه عمران بن الحصين وأصحابه متوافرون حوله صلى الله عليه وسلم وكان عمران مسلمًا فقال الحصين:

ـ ما هذا الذي بلغنا عنك أنك تشتم آلهتنا وتذكرهم وقد كان أبوك على خير؟

فقال – صلى الله عليه وسلم: يا حصين كم تعبد من إله؟

قال الحصين: سبعة في الأرض وواحدا في السماء.

فقال صلى الله عليه وسلم: فإذا أصابك الضر من تدعو؟

قال الحصين: الذي في السماء.

فقال صلى الله عليه وسلم: فيستجيب لك وحده وتشكرهم معه؟! أرضيته في الشكر أم تخاف أن يغلب عليك؟ (أي لم تقدر قوته).

قال الحصين: فعلمت أني لم أكلم مثله. (إعجابًا بالنبي صلى الله عليه وسلم).

قال صلى الله عليه وسلم: يا حصين أسلم تسلم.

قال الحصين: إن لي قومًا وعشيرة فماذا أقول؟

قال صلى الله عليه وسلم: قل: اللهم أستهديك لأرشد أمري وزدني علما ينفعني.

فقالها الحصين: ولم يقم حتى أسلم.

فقام إليه عمران (ابنه المسلم) فقبل رأسه ويديه ورجليه فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بكى، وقال:

ـ بكيت من صنيع عمران، دخل أبوه وهو كافر فلم يقم إليه عمران، ولم يلتفت ناحيته، فلما أسلم قضى حقه فدخلني من ذلك الرقة.

فلما أراد الحصين أن يخرج قال صلى الله عليه وسلم لأصحابه:

ـ قوموا شيعوه إلى منزله.

فلما خرج من سدة الباب رأته قريش فقالوا: صبأ وتفرقوا عنه.

عليك أفضل الصلاة والسلام يا حبيبي يا رسول الله، ورضي الله عن أصحابك.

******

هل تعرفون أبا نواس؟!

إنه كما أطلق عليه شاعر الخمر والنساء هو الذي ملأ الدنيا عربدة بشعره، ولما أراد أن يتوب سخر الناس منه، ولما ضاقت به الدنيا، وأحس أنه لا ملجأ من الله إلا إليه انطلق بلسان الحاجة وشعور الإيمان وبنفس الشعر يناجي ربه:

إلهنا ما أعدلك               مليك كل من ملك

لبيك قد لبيت لك             لبيك إن الحمد لك

والملك لا شريك لك        والليل لما أن سلك

والسابحات في الفلك       على مدار الـمـنْسَلَكْ

ما خاب عبد أمَّلَك          أنت له حيث سلك

لولاك يا رب هلك          كل نبي وملك

وتهدأ مناجاته ليشكو لربه أمره، ويقدم دعواه ومبررات طلبه للمغفرة فيقول:

يا رب إن عظمت ذنوبي كثرة

                   فلقد علمت بأن عفوك أعظم

إن كان لا يرجوك إلا محسن

           فمن الذي يرجو ويخشى المجرم؟!

أدعوك رب كما أمرت تضرعًا

               فإذا رددت يدي فمن ذا يرحم؟!

ما لي إليك وسيلة إلا الرجا

                 وجميل عفوك.. ثم أني مسلم

لا أتحدث عن مصير ابي نواس أمام الله ولكن اتحدث عن تلك الطاقة النفسية التي أمده الايمان برب غفور رحيم بها حتى يكتب هذا الشعر الصادق المؤثر.

******

ورجعت إلى الدين

يقول كارنيجي: “رجعت إلى الدين؛ لأنني اتخذت نظرة جديدة للدين، فلم تعد تؤثر علي وتشغلني اختلافات المسيحيين فيما بينهم وتفرقهم إلى شيع وأحزاب، بقدر ما يهمني ما يقدمه لي الدين من رحمة ونعمة. تمامًا كما تقدمه لي الإضاءة والسيارات والاختراعات الحديثة، فنظرتي الحديثة إلى هذا الدين تساعدني على أن أحيا حياة رغدة هادئة.

إن الدين يكسبني الإيمان، والأمل على متابعة السير في هذه الحياة بكل شجاعة، ويعينني على خلق واحة خصبة في صحراء حياتي الطويلة”.

هذه نظرة كارنيجي إلى دينه الذي لا يتعدى عنده سوى علاقة خاصة مع الله، فما بالنا بدين يضع القواعد والضوابط لكل العلاقات مع الله ومع الناس ومع النفس؟!!

كم من المكاسب تحصل عليها على طريق إدارة الذات عندما تعود إلى دينك.

يقول الشيخ محمد الغزالي – رحمه الله – في كتابه (جدد حياتك):

(وإلى البكَّاءين على ما فات، وراء تحقيق المعجزات، الدائرين حول محور من أنفسهم يصارعون المُنَي وتصارعهم دون الانتهاء إلى قرار، إلى هؤلاء نوجه كلمة وليم جيمس: (أن بيننا وبين الله رابطة لا تنفصم فإذا نحن أخضعنا أنفسنا لإشرافه – سبحانه وتعالى – تحققت أمنياتنا وآمالنا كلها).

وإليك هذه الآية من القرآن الكريم يد حانية تمسح عن القلوب بأسها.. وتكمل أي نقص:

(قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) [الزمر:53].

واعلم أخيرًا أنك لست وحدك في هذه الدنيا:

(اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إلى النُّور) [البقرة: 257].

فهيا إلى الإيمان؟

لتعود الثقة بالنفس.

د. أكرم رضا

لتحميل الملف

https://drive.google.com/file/d/1F59hvdUCZEfvQqLy3RSa0zsnCy1Lz0pz/view?usp=sharing

 

 

 

Comments

comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*