#من_مذكرات_استشاري_علاقات_زوجية بين زوجين (المغفل والطيب)

#من_مذكرات_استشاري_علاقات_زوجية

بين زوجين (المغفل والطيب)

من أعجب الاستشارات الزوجية التي باشرتها في حياتي العملية حالتان:

القاضي والجلاد

الأولى الزوج فيها كان من النوع الغير متنازل، والذي نصنفه ضمن أنماط الشخصية بأنه شخصية القاضي والجلاد، يجتمع فيه قيم عالية جداً مع حزم شديد وقوه تصل الى القسوة، تتسلل اليه في كثير من الأحيان صفات التعالي والشعور بالذات حيث يصعب أن يرى نفسه مخطئا، كثير الخطوط الحمراء وأجراس الإنذار عند كثير من السلوكيات.

اصبعه السبابة دائما متوجهة الى الطرف الاخر، يرى نفسه صاحب درجة خاصة وفى مقام القوامة بمفهوم التزام الطرف الآخر وعدم تخطي الحدود التي رسمها لمن حوله.

أعلى افتراضاته عن نفسه وعن الآخرين هي (أنا بخير والناس ليسوا بخير) وكل سلوكياته محاولة لإثبات هذا الافتراض.

استطاع هذا الزوج أن يفرض سلوكه وشخصيته على زوجته التي كانت أقل ما يقال عنها انها تريد أن تعيش، قاومت أول الأمر كثيرا وكانت نتيجة المقاومة طلاق مرتان بل وكثير من الألفاظ التي تعتبر من شبهات الطلاق، والتي حلها لهم مفتي جريء أو شفوق أن يهدم البيت.

وأخيرا قررت أن تعيش على هامش حياته وعمَّرت هذا الهامش فجعلته حياة طيبة مع أولادها على حساب تركه وحده في كهفه المهجور الذي اتخذه حياة.

وكانت حصيلة الزواج لمدة أكثر من عشرين عاما ذرية من الأبناء عانت الشقاء مع هذا الاب؛ فقد كان أقل العقاب عنده الضرب المزين بالسباب.

قال لي ابنه في اللقاء الاستشاري معه: (هل يمكن أن أظل أحب أب كان يتعمد ضربي وأنا في المرحلة الثانوية بالحذاء أمام أصدقائي !!).ن ةأحب أب كان يتعمد ضربي واهانتي بين أصدقائي

وكانت أكبر مكافئة على عمل حسن من أحد أبنائه أن يبتسم لصاحبه من بين أسنانه.

كان نادرا ما يرى نجاحات أولاده إلا أمام الناس مفتخرا بصمتهم المستمر وانطوائهم، ثم بتصرفاتهم الشاذة الدالة على نفس سلوك الاب في التعامل مع الاخرين، فكان مثلا: يفتخر أن ابنه أفحم عمه في الحوار وأن ابنته لم تدع كلمة لخالتها إلا وردت عليها وان ابنه حرم فريقه في مشروع الجامعة من كل مجهوداته حتى لا ينجحوا على حساب تعبه كما قال!!

يتحدث كثيرا عن العدل وهو ظالم،

وعن الصدق وهو مداور مناور،

وعن الحقوق وهو لا يرى حق الا لنفسه،

وعن الإخلاص وهو لا يقبل أن يعطي معلومة قد تقيم العمل الا إذا ذكر دوره فيها.

محاور مسامح ملاطف

والحالة الثانية كانت لزوج؛ محاور مسامح ملاطف، يقول عن نفسه: لا أحب الدخول في معركة وخاصة مع من أحب، يرى كثيرا من المشكلات يمكن عبورها ولا نقف عندها.

هو عبارة عن أذن مفتوح، يفوح فمه بالابتسام كأنه المسك في المكان، وقلب يحب بلا مقابل لا يزيد حبه بر ولا ينقصه جفاء.

متنازل أحيانا حتى يرى البعض أن من حوله استغل طيبته وأنه يتنازل كثيرا عن درجته، بل ويعطى من حوله من زوجة بل وأولاد بعض مفاتيح قوامته وقيادته ويرضى ان يعود الى الخلف قليلا.

 أعلى افتراضاته عن نفسه وعن الآخرين هي: (أنا بخير والناس بخير) ولا يحاول أن يبذل أي مجهود لإثبات هذا الافتراض فهو ثابت عنده لا يحتاج إثبات.

الحق عنده وجهة نظر،

والحل عنده التوازن في العطاء،

والعقاب عنده تغير الوجه،

والضرب عنده لا يستحقه حتى الحيوان فهو ملغي تماما من قاموسه.

مكان أولاده دائما في حجره،

قال لي مرة : لقد قال الله تعالى عن أبناء الزوجة من رجل آخر: )وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ( [النساء:23] فوصف موقع أبناء الزوجة أنهم في حجر زوج الأم!!فما بالك بأولادي أنا!! ألا يستحقون أن يكونوا في حجري دائما!!

حضنه يتسع للجميع، ماله ينفقه على أسرته، وهم مسؤولون عن الحفاظ عليه، شعار أسرته: (لا أحد يملك مال في حال ضيق اليد)، فالكل يقدم ما يملك حتى ييسر الحال.

خطوطه الحمراء قليلة جدا صعب تجاوزها لأن قبلها الكثير من درجات الألوان، كل درجة تحمل سمة وصفة فليس السلوك عنده واحد فكل سلوك له قيمة، الاعتذار أكثر ما يقدمه له أفراد عائلته عند تجاوز خط ما وهو يتقبله راضيا ولا يشوهه بالعتاب واللوم بعد ذلك.

 فما المشكلة؟!

تراك تسألني: فما المشكلة إذاً؟ ولماذا حضر هذان الزوجان بعد أكثر من 20 سنة لاستشارتك؟

فأولهم لا يرى إلا نفسه فلا يحتاج الى استشارة أحد فهو أبو المعرفة وكما يقال: (دماغه عجباه) فلا يسمع أنين من حوله.

والثاني لا حاجة عنده لاستشاره فقد بنى حياته السعيدة وعاشها

سأخبرك الآن وستعلم مصدر عجبي واندهاشي من هاتين الاستشارتين وقد رأيت العجب من مشكلات البشر فما وجدت أعجب منهما!!

انه (الود)

جاء الزوج الأول بشكوى محددة: لقد فقد الكثير من مؤهلات التحكم والسيطرة التي كان يمتلكها في شبابه وطفولة ومراهقة أبنائه، إنه يقرأ الآن في عيون من حوله نظرات تصعقه عندما يفكر فيها

يحاول ألا يعتمد عليهم ولكن هو مضطر بحكم السن والصحة، وهم لا يقصرون!! ولكن هناك شيء ما يفتقده في علاقته بزوجته وأولاده. عندما يتقدم أحدهم له بأي خدمة ينظر في عينه ليبحث عن هذا الشيء فلا يجده! فاذا دقق النظر ليوهم نفسه بوجوده أشاحوا بأعينهم عنه حتى يحرموه حتى من الوهم،

لقد راجع كثيرا السنين السابقة مع زوجته بعد أن روضها على طباعه ووضعها بعيدا عن خطوطه الحمراء المكهربة الكثيرة، ومع أولاده الذين كانوا قطع من الصلصال يشكلها كما يحب، وجد أن كل ما مضى كان صراع وحرب وعصبية ومراقبة وتوجس وترقب، بهدف أساسي هو أن يعيش بينهم سعيدا، تلك السعادة التي لها معنى فريد عنده؛ أن يكون مسيطرا، وأن يأتمر الجميع بإشارة منه؛ أليس هو القوام؟ أليس له الدرجة؟

جاءني يشكو بمرارة: لقد نفذ خطته كاملة، وكان اثنائها يستشعر أنه قريب من السعادة، أما اليوم وقد ظن أنه حان قطف ثمار السعادة الكاملة يشعر أن هناك شيء يقف سدا بينه وبين تلك السعادة.

والعجيب أنه اكتشف أن هذا الشيء لم يكن موجود أبدا في علاقته مع زوجته وأولاده يوما ما من أيام حياته، والأعجب أنه لا يعرف ما هو هذا الشيء، ولا يدري كيف يعبر عنه أو يسميه، وما جاء الا ليسألني عنه حتى يجده فيداوي غربة شديدة يجدها بين أهله.

ابتسمتُ له مُعزِّيا وشيء في نفسي يقول: كيف تريد أن تعرف ما لم تمارسه يوما؟ إن فاقد الشيء لا يعطيه.

انه (الود) الذي تقوم عليه البيوت والذي تآكل بنيانه في بيتكم قطعة قطعة بذلك الحصار النفسي الرهيب الذي أقامته شخصيتك التي لم تتربى يوما عليه فلم يبقى لهذا البيت ان يستمر الا بظلال من الرحمة فارضي بها والا سيأتي يوما يحرموك منها كما حرمتهم انت منها صغارا!!

(أنه الحب)

كان حزنا طيبا جميلا يتوارى خلف ابتسامة الزوج الثاني وهو يقول لي: لقد عشت السعادة التي يتمناها كل انسان في كل لحظة من لحظات حياتي مع أبنائي وزوجتي، كان البعض يظن أن تنازلي أحيانا يؤدي الى تهاونهم في حقوقي؛ ولكن هؤلاء لم يكونوا يرون من أرى، ولا يتمتعون بما أتمتع به

 لا أخفيك سرا أنني كنت أحيانا افتعل مرض او غضب أو أبالغ في التعبير عن ألم مثلا لأرى ردة فعل زوجتي وأبنائي فأجد العجب؛ إن هؤلاء الأبناء الذين يعيشون في حرية تامة في بيتي، وكل له حياته الخاصة التي قد تشغله تماما، وقد يرى البعض أنهم لا يلقون لي بالا بمفهومهم، تنقلب حياتهم رأسا على عقب عندما يسمعون مني الآه أو يروا في وجهي تغيرا، ويهرول كل منهم لملازمتي وإرضائي.

أعطيت لزوجتي اذنا مفتوحا للتصرف في الحياة، وأنها هي التي تحدد ما تشاركني فيه وما يتطلب تدخلي، وكان أبسط ما في هذا الإذن خروجها مثلا لقضاء الكثير من الأمور التي لا يستلزم الإذن عند كل خروج، وكنت أعجب من هؤلاء الأزواج الذين يقيمون الدنيا ولا يقعدونها عندما تخرج زوجته من البيت لأمر ضروري حتى ولو كان استدعاء أبيها لها أو ما شابهه بدون اذنه الذي قد يصعب الحصول عليه!

سمعت ابنتي يوما تلوم أمها على فزعها الشديد عندما علمت أنني سألت عنها يوما فلم أجدها في البيت.

قالت ابنتي: ولما الفزع يا أمي؟

قالت أمها: أخاف أن يغضب

قالت البنت تهون عليها: لم نراه غاضبا منك يوما وحتى لو غضب فان أكثر غضبه أن تتغير ابتسامته

قالت زوجتي: ليس معنى أنه كريم أن نكون نحن لئام يا ابنتي …. واليس كافي ان تتغير ابتسامته!!

قالت البنت مبتسمه بمكر وهي تمتص رحيق السعادة من أمها: ثم ماذا يا أمي؟

قالت زوجتي في خجل: ثم أنى أحبه ولا أحب حتى أن تتغير ابتسامته.

إن اولادي وبناتي يعيشون حياتهم من أجلي، كل يفكر كيف يرضيني، مالُهم مالي، بل وأزواجهم وزوجاتهم أولادي ويفعلون مثلهم؛ السعادة هي المكون الأساسي في بيتنا، الحوار زادنا، والتعاطف عبير في افاق حياتنا.

أرسلت لي زوجتي يوم مولدي الستين رسالة تلخص نظرة أسرتي في علاقتهم معي قالت فيها:

كل سنة وانت زوج عظيم، رحيم.

كل سنة وانت أب حنون كريم.

كل سنة وانت جد قدوة.

كل سنة وانت حمى محبوب، عاقل، داعم.

أنت عظيم يا زوجي العزيز.

ربنا ما يحرمنا منك.

أرى يا صديقي نفس التساؤل يدور في عينيك وقد سألته له: وما المشكلة اذن؟ ولماذا أرى نبرة حزن وإن كان غير عميق في صوتك

قال لي ودمعتان تجاهدان أن تخرجا من عينيه: إنني أحب زوجتي وأولادي وبناتي، وأرى أنني أخطأت في حقهم أني جعلتهم يحبونني كل هذا الحب، وقد دنى الأجل وأذن الرحيل الحتمي، فأخاف إن هم فقدوني ان يحزنهم فراقي ذلك الحزن الذي يؤدي الى فقدان السعادة، فأكون كمن أنفق ماله كله على أولاده في حياته ولم يترك لهم شيء ليرثوه؛ لقد كدسنا السعادة في بيوتنا ولكننا انفقناها كلها في حياتي معهم وأخاف أن أذهب وقد سلبت منهم السعادة التي بنيناها معا.

كانت هذه صديقي من أعجب الاستشارات التي عرضت على في حياتي العملية الى الآن!!

الزوج الأول: عاش حياته يحرم أهله كل ملامح السعادة ظنا منه أن ذلك سيجلب عليه شخصيا سعادة دائمة، ففقد شيئا ما من أسس الحياة ودعائمها، حيث أن غياب هذا الشيء كان يشعره دائما بالبرودة تسري في كيانه الداخلي وفي جنبات بيته وحياته.

والزوج الثاني: عاش حياته يسقى أهله السعادة حتى تعودوها ثم أدمنوها، فيخاف إن ذهب هو كما قدر على البشر أن يفتقدوا هذه السعادة فيصابوا بما يصيب المدمن عندما لا يتعاطى ما يدمنه!

وأدركت بعد ان سمعت شكواهما أن الشيء الذي سبب شكواهما واحد؛ افتقده الزوج الأول وفاض به الزوج الثاني إنه (الحب)

أراك صديقي تبتسم استهانه بالكلمة، وانا اعذرك لأنها استخدمت في غير مجالها كثيرا، حتى أصبحت تعبر عن أشياء لا تمت لها بصلة، إنه الحب الذي يعتبر روح علاقتنا مع الله حيث قال – سبحانه – عن أوليائه : )يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ( [المائدة:54] وقد ييسر الله الكتابة حول موضوع الحب

كثيرا ما يسألني الحاضرون لبرامج العلاقة الزوجية: نحن لا نرى أن الله عبر عن روح العلاقة الزوجية بالحب في أي آية من الآيات التي تناولت هذه العلاقات!

أقول: لنأخذ قوله تعالى : )وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ( [الروم:21]

وأين الحب؟

 أقول لك: قد يكون في (السكن) حيث لا يسكن الانسان إلا لمن يحب، أو في (من أنفسكم) حيث لا يصل الطرفان أن يكونا نفسا واحدة الا بالحب أو يكون في (المودة والرحمة) وهما مظاهر من الحب.

أو قد يكون في كل ذلك، ولكن الحب نفسه مساحة أوسع من كل ذلك في الحياة الزوجية، فللحب مجموعة تصرفات تعبر عنه، إذا تواجدت بين الزوجين يشع الحب بقبسات نوره.

وللحب مستويات منها الأعلى ومنها الأقل وقد عبر الله في الآية عن المستوى الأعلى من الحب بالمودة وهي التي سمى الله بها نفسه (الودود)، ويعني الذي يتحبب لعباده دون الحاجة إليهم، يعطي ولا ينتظر من الطرف الآخر شيئا، وهذه أعلى درجات الحب، وهذه حالة صاحبنا الزوج الثاني؛ حيث غرس في عائلته الود فحصد الورد.

وعبر سبحانه وتعالى عن أقل درجات الحب وهي الرحمة )وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً(، تلك الصفة الموجودة  في قلوب المخلوقات فيتعاطفون بينهم، وترفع بها الفرس حافرها عن وليدها فلا تصيبه.

تلك الصفة التي اشتقت من اسم الله )الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ(، حتى تجد نفسك يوما تلين مشاعرك إذا أصاب عدوك مصيبة.

وعلى أعمدة المودة والرحمة تبنى البيوت، فمع نمو المودة تنتشر السعادة وعمت أرجاء الحياة، أما إذا لم يبقى إلا الرحمة فلا يقيم البيت الا الرضى والتقبل.

والآن قد ترى أن الزوج الثاني قد بنى بيته على أقوى أعمدة المودة وأصلب أعمدة الرحمة

وقد تسألني: وأين الزوج الأول؟

أقول بكل أسف لقد فقد هذا الزوج حتى الرحمة فلم يعد هناك بالنسبة له بيت.

ألا تراه قد جاء في آخر أيامه وقد افتقد السقف والجدران والأعمدة؟ ألا تراه يستجدي الرحمة وكله ثقة أنه لن يجدها؟ والعجيب أنه في زمانه الأول كان يظن أنه الفائز! بل وأحيانا يقوم من حوله بإيهامه بذلك، ولأنه مغفل فإنه يصدق ذلك الوهم ويعيشه، حتى إذا كان في احتياج الى رحمة هؤلاء الذين لم يرحمهم فلا يجدها، فليرحمه الله وإن كان هو لم يرحم يوما أقرب الناس إليه.

د. أكرم رضا

Comments

comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*