(10) وسائل لزرع الثقة بالنفس والإيجابية في نفوس الأطفال

(10) وسائل لزرع الثقة بالنفس والإيجابية في نفوس الأطفال

مص الأصابع،
التبول اللاإرادي،
العنف، فرط الحركة،
الانطواء،
العند….
هل ابني مريضاً نفسياً؟

كثير من السلوكيات التي نشتكي منها عند أطفالنا، ويمتلكنا الرعب على صحتهم النفسية بسببها، بل ونسارع بهم الى الطبيب النفسي بحثا علاج، هي نتيجة لعامل أساسي وهو ضعف الثقة بالنفس.
وفي هذا المقال نقدم الوقاية المبدئية التي من خلالها يمكن تفادي الكثير من نتائج فقد الثقة بالنفس على أطفالنا وذلك بالزيادة والامداد المستمر بجرعات الثقة بالنفس.
واليكم (10) جرعات أساسية لزرع الثقة بالنفس في نفوس أطفالنا، نستأنس فيها بالهدى النبوي الراقي في علاقته بالأطفال من حوله.

أولاً: التعبير عن الحب

الحب هو الطاقة الأساسية المحركة للإيجابية عند أطفالنا، وإشاعة مناخ الحب في بيوتنا هو أفضل بيئات التربية والدعم وبث الثقة بالنفس، والتعبير عن حبنا لأبنائنا متعدد الوسائل، وأهمها الكلمة واللمسة والهدية.
ولا يترك النبي (صلى الله عليه وسلم) فرصة للتعبير عن حبه للأطفال الا واستخدمها ومن أمثلة ذلك:
اجتمع جعفر وعلي وزيد ي يتنافسون فيمن يحبه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أكثر؟ فانطلقوا الى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يسألونه: من أحب إليك؟ فقال (صلى الله عليه وسلم): «فاطمة»، فقالوا نسألك عن الرجال، قال (صلى الله عليه وسلم): «أما أنت يا جعفرُ فأشبهَ خَلقُك خَلْقي، وأشبَه خُلُقي خُلُقُك، وأنت مني وشجرتي، وأما أنت يا عليُّ فخَتْني وأبو ولدي، وأنا منك وأنت مني، وأما أنت يا زيدُ، فمولاي ومني وإليَّ، وأحبُّ القومِ إليَّ».
ويسرع بإقالة عثرة الطفل ويحنو عليه اذا أصابه ألم، فقد عثُر أسامةُ بنُ زيدٍ بعَتَبةِ البابِ فشُجَّ وجهُه، فجعَل رسولُ اللهِ (صلى الله عليه وسلم) يمُجُّها (يغسل عنه الدم) ويقولُ: «لو كان أسامةُ جاريةً (بنت) لَحلَّيْتُه وكسَوْتُه حتَّى أُنفِّقَه (حتى أجهزه لبيته)».
الخلاصة: اعط الحب بكل أشكاله ووسائله في كل وقت وكل مكان فان أولادنا ينمون بغذاء الحب

ثانياً: التوازن التربوي

الأطفال والشباب أسرع توجها نحو أحد الطرفين في سلوكهم، والمبالغة في التصرفات، وتركهم يفعلون ذلك يؤثر جدا على شخصيتهم، ويعود بالسلب على ثقتهم بأنفسهم، ونضرب نموذجين لاندفاع الشباب نحو أحد الطرفين، فلا يبالغ النبي (صلى الله عليه وسلم) في امتداح المتطرف إلى الخير، ولا يبالغ في ذم المتطرف الى غير ذلك.
النموذج الأول: أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وصف القيامة يوما لأصحابه، فبالغ وأشبع الكلام في الإنذار، فرَقُّوا، واجتمعوا في بيت عثمان بن مظعون، واتفقوا على ألا يزالوا صائمين قائمين، وأن لا يناموا على الفرش، ولا يأكلوا اللحم والدوك (الحبوب المطحونة)، ولا يقربوا النساء والطيب، ويرفضون الدنيا، ويلبسون المسوح (أثواب الرهبان)، ويسيحون في الأرض، ويجبون مذاكيرهم(أي يختصون لقطع الشهوة الجنسية عندهم)، فبلغ رسولَ الله (صلى الله عليه وسلم) فقال لهم: «إني لم أؤمر بذلك، إن لأنفسكم عليكم حقا، فصوموا وأفطروا، وقوموا وناموا، فإني أقوم وأنام، وأصوم وأفطر، وآكل اللحم والدسم، وآتي النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني».
والنموذج الثاني: عن أبي أمامه الباهلي قال: أنَّ فَتًى شابًّا أتى النَّبيَّ (صلى الله عليه وسلم) فقالَ: يا رسولَ الله، إئذَنْ لي بالزِّنا!! فأَقبلَ القومُ علَيهِ فزَجروهُ وقالوا: مَهْ. مَهْ (أسكت..أسكت). فقالَ: «أدنُهْ»، فدَنا منهُ قريبًا.
قالَ: فجَلسَ، قالَ (صلى الله عليه وسلم): «أتحبُّهُ لأُمِّكَ»؟ قالَ: لا والله جعلَني الله فداءَكَ، قالَ (صلى الله عليه وسلم): «ولا النَّاسُ يحبُّونَهُ لأمَّهاتِهِم»، قالَ (صلى الله عليه وسلم): «أفتحبُّهُ لابنتِكَ؟»، قال: لا والله يا رسولَ الله جَعلَني الله فداءَكَ، قالَ (صلى الله عليه وسلم): «ولا النَّاسُ يحبُّونَهُ لبَناتِهِم»، قالَ (صلى الله عليه وسلم): «أفتُحبُّهُ لأُخْتِكَ؟»، قال: لا والله يا رسول الله جعلَني الله فداءَكَ، قالَ (صلى الله عليه وسلم): «ولا النَّاسُ يحبُّونَهُ لأخواتِهِم»، قالَ (صلى الله عليه وسلم): «أفتحبُّهُ لعمَّتِكَ» ؟ قال: لا والله يا رسولَ الله جَعلَني الله فداءَك، قالَ (صلى الله عليه وسلم): «ولا النَّاسُ يحبُّونَهُ لعمَّاتِهِم»، قالَ (صلى الله عليه وسلم): «أفتحبُّهُ لخالتِكَ؟»، قال: لاواللَّهِ يا رسولَ اللَّهِ جَعلَني اللَّهُ فداءَكَ، قالَ (صلى الله عليه وسلم): «ولا النَّاسُ يحبُّونَهُ لخالاتِهِم»، قالَ: فوَضعَ (صلى الله عليه وسلم) يدَهُ عليهِ وقالَ (صلى الله عليه وسلم): «اللَّهمَّ اغفِرْ ذنبَهُ، وطَهِّر قلبَهُ، وحصِّن فَرجَهُ»، فلم يَكُن بعدُ ذلِكَ الفتَى يَلتَفِتُ إلى شيءٍ.
الخلاصة: لا يدفعك غضبك من تصرف لإبنك أن تهينه، ولا يدعوك انبهارك بسلوك له أن تقومه.

ثالثاً: رعاية المشاعر

قد يرى البعض أن الطفل بطبيعته سريع النسيان، ويظن أنه لا داعي لتقدير مشاعره أو الاحتراس في التعامل معه، ولكن العكس صحيح؛ حيث أن نفسية الطفل صفحة بيضاء، يظهر فيها أي خطوط أو نقاط سوداء، ولذلك نجد النبي (صلى الله عليه وسلم) – في كثير من المواقف- لا يكتفى بنهى الطفل عما لا يقدر عليه، بل يسارع بإيجاد بديل يجيده الطفل.
فهذا زيد بن ثابت يعود الى أمه كاسف البال؛ فلم يقبله الرسول (صلى الله عليه وسلم) كجندي يغزو معه لصغر سنه! وما يلبث أن يجد النبي (صلى الله عليه وسلم) يدعوه ليكلفه بمهمة عظيمة، تناسب إمكانيته التي عرفت عنه؛ حيث يحفظ أكثر من نصف القرآن، ويجيد القراءة والكتابة، فيقول له (صلى الله عليه وسلم): «يا زيد تعلم لي كتاب يهود».
يا لها من مهمة عظيمة، يكلف بها طفل صغير، تنسيه ألم الإخفاق القريب، وتُعِدُّه لمهمات أكبر منها، حيث يصبح زيد ترجمان الرسول (صلى الله عليه وسلم)، وقد تعلم السريانية والعبرية (لغة اليهود)، ثم يصبح كاتب الوحي وحافظه، والمشرف على جمعه في خلافة إبي بكر وعثمان رضى الله عنهم جميعا.
وهكذا راع (صلى الله عليه وسلم) مشاعر الغلام، فكان منه ما كان من العظمة.
الخلاصة: راع مشاعر ابنك، وبرر له تصرفاتك، واعط له فرص جديدة؛ ترفع مستوى الثقة بالنفس عندهم.

رابعاً: الثقة بهم وتكليفهم بالمسؤوليات

يحكى ربيعة بن كعب صاحب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: (كنت فتى حديث السن لما أسلمت مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وكنت من فقراء المسلمين يدعونا الناس (ضيوف الإسلام)، فطلبت من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أن أخدمه فوافق، فكنت ألزمه النهار، ثم أجلس على بابه لا أتحول لعله تعرض له حاجه بليل.
وأحب (صلى الله عليه وسلم) أن يجازيني على خدمته له فأقبل على ذات يوم فقال: «سلنى يا ربيعة شيئا أعطه لك»، فلم أسأله شيئا من الدنيا وقلت: يا رسول الله أسألك أن أكون رفيقك في الجنة، فقال (صلى الله عليه وسلم): «أو غير ذلك يا ربيعة؟» قلت: كلا يا رسول الله.
وهنا تظهر اللمحة التربوية في التعامل مع الغلام، الذي أولاه النبي (صلى الله عليه وسلم) الثقة في البداية، وحمله مسؤولية مرافقته وهو النبي (صلى الله عليه وسلم)، وكان يستطيع أن يرضى الطفل بالدعاء له وينتهي الأمر، ولكنه قال له: «إذن أعنى على نفسك بكثره السجود».
يقول ربيعة: فجعلت أجتهد في العبادة لأحظى بمرافقته (صلى الله عليه وسلم) في الجنة، كما حظيت بخدمته في الدنيا.
ولقد تعددت مظاهر ثقته (صلى الله عليه وسلم) بالأطفال والشباب، وذلك في استخدامه (صلى الله عليه وسلم) دار الأرقم بن أبى الأرقم للاجتماع بأصحابه أول الدعوة، وتولية أسامة بن زيد الجيش وهو لم يتجاوزوا السادسة عشرة، وغيرها من المواقف.
ولا يوافق النبي (صلى الله عليه وسلم) الشباب على اندفاعهم أحيانا في تحميل أنفسهم بعض المسؤوليات قد يفشلون فيها، فيؤدي الفشل الى فقدان ثقتهم في أنفسهم؛ فهذا عبد الله بن عمرو بن العاص يجلس بين يدي النبي (صلى الله عليه وسلم) يسأله عما ألزم نفسه به من العبادة.
يقول عبد الله: دخل عليَّ رسولُ اللهِ (صلى الله عليه وسلم) بيتي فقال: «يا عبدَ اللهِ بنَ عمرٍو، ألم أُخبَرْ أنَّك تَكَلَّفُ قيامَ اللَّيلِ وصيامَ النَّهارِ؟»
قلتُ: إنِّي أفعلُ، فقال (صلى الله عليه وسلم)، «إنَّ من حسبِك أن تصومَ من كلِّ شهرٍ ثلاثةَ أيَّامٍ الحسنةُ بعشرِ أمثالِها فكأنَّك قد صُمْتَ الدَّهرَ كلَّه». فغلُظْتُ فغلُظ عليَّ فقلتُ: إنِّي لأجدُ قُوَّةً عن ذلك.
فقال (صلى الله عليه وسلم): «إنَّ أعدلَ الصِّيامِ عند اللهِ صيامُ داودَ عليه السَّلامُ كان يصومُ نصفَ الدَّهرِ، إنَّ لعينِك عليك حقًّا وإنَّ لضَيْفِك عليك حقًّا وإنَّ لأهلِك عليك حقًّا» فقال عبدُ اللهِ لمَّا أدركَتْه السِّنُّ وضعُف وكبِر: لأن أكونَ قبِلتُ رُخصةَ رسولِ اللهِ (صلى الله عليه وسلم) أحبُّ إليَّ من أهلي ومالي.
نجد انه (صلى الله عليه وسلم) قال: «إنَّ من حسبِك» – ولم يَقُل افعل.
الخلاصة: كلف أبناءك بمهمات مناسبة لهم، وساعدهم على النجاح فيها، وكافئهم على النجاح، واستشرهم في نوع المكافئة التي يحبون؛ ترفع مستوى ثقتهم في أنفسهم.

خامساً: احترام الآراء وإعطاء الحقوق

المشكلة الأساسية بين الكبار والصغار أنهم دائما يعلنون لهم أنهم أطفال، ولذلك فهم لا حقوق لهم فى مجالس الكبار، وأن أراءهم لا وزن لها بل لا احتياج لها أساسا، إلا أن النبى (صلى الله عليه وسلم) وضع لنا قاعدة للتعامل مع أبنائنا غير ذلك؛ فكان للأطفال في مجلسه مكانه واعتبار.
بداية كان يسمح لهم بحضور المجالس والجلوس في مكان معتبر فيه فهذا ابن عمر (رضي الله عنه) – وهو لا يزال غلاماً – يروي قصته في مجلس كبار الصحابة مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حين قال: كنا عند النبي (صلى الله عليه وسلم) فقال: «إنّ من الشجر شجرة مَثَلها مَثَل المسلم»، فأردت أن أقول هي النخلة، فإذا أنا أصغر القوم، فسكتُ، قال النبي (صلى الله عليه وسلم) :«هي النخلة»، وقال ابن عمر (رضي الله عنه): فإذا أنا عاشر عشرة أنا أحدثهم. فكان وهو الأصغر سناً يجلس في مجالس الكبار، ويصغي إلى أحاديثهم، فيستشعر أنه كبير ذا همة عالية.
كان ابن عباس غلاما يجلس عن يمين رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في مجلس الكبار فلما جاء الماء وشرب النبي (صلى الله عليه وسلم) نظر إليه وقال: «أتأذن لي أن أعطى هؤلاء؟» وهُمُ الكبارُ عن يساره، فإذا بالغلام الذكي، المدرك لحِقِّه أن يشرب أولا لأنه على اليمين، يقول: والله يا رسول الله لا أُوثر بنصيبي فيك أحد، فيعطيه الرسول (صلى الله عليه وسلم) حقه، ويجعله يشرب أولا.
ونجده (صلى الله عليه وسلم) يحترم رأى عمير بن سعد؛ عندما بلغه مقولة زوج أمه الجلاس بن سويد؛ عندما قال له يوما: (إن كان محمداً صادقاً فيما يدعيه من النبوة فنحن شر من الحمير)!! أدرك عمير يومها إنه منافق يعلن الإيمان ويخفى الكفر، نعم إنه خير زوجِ أُم فهو راعيه ومحبه ولكن الرسول (صلى الله عليه وسلم) أحب اليه منه.
ذهب عمير الى الجلاس وأخبره أنه سيخبر النبي (صلى الله عليه وسلم) بما قال!! فلم يأبه به المنافق، فذهب عمير وأخبر النبي (صلى الله عليه وسلم). أحضر النبي (صلى الله عليه وسلم) الجلاس، فحلف أنه لم يقل والغلام كاذب، وحمل البعض على عمير واتهموه بالعقوق، فرفع الفتى رأسه الى السماء ودعي (اللهم أنزل على نبيك بيان ما تكلمت به)، فلم يلبث الوحى أن نزل ببراءة عمير، الغلام الذى احترم النبي (صلى الله عليه وسلم) رأيه واستمع له: يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ [التوبة:74]
وترتعد فرائص الجلاس ويهتز قلبه ويعلن توبته بل وتحسن توبته فكان إذا التقى بعمير يقول «أهلا بمن أنقذ رقبتي من النار»
ويومها أمسك الرسولُ (صلى الله عليه وسلم) أُذنَ عمير يُحَيِّيه على شجاعته ويقول له: «وفَّتْ أذنك يا غلام ما سمعت، وصدقك ربك».

سادساً: إتاحة الفرصة

يبحث الطفل دائما عن المكان والمكانة في البيت؛ حيث أن الكبار غالبا يتعاملون معه ككم مهمل، وإذا أعطوه اهتمام فمن أجل الاستمتاع بحركاته المسلية، وكذلك فإن له حدود لا يتعداها.
إن من أهم وسائل زرع الثقة في نفس الطفل، وتعويده على الإيجابية: أن تتيح له الفرصة ليعبر عن نفسه، ويعرض ما عنده من مهارات، مع احترام آراءه ومهارته، ولا نتخذه مصدر للسخرية والتندر.
ففي ظل إعداد الجيش للقتال واختيار المحاربين، في أول غزوة للرسول (صلى الله عليه وسلم)، يعط النبي (صلى الله عليه وسلم) من وقته الثمين – رغم انشغاله الشديد بالإعداد للمعركة – لطفلين لم يعبرا الخامسة عشرة بعد هما: سمير بن جندب ورافع بن خديج م، وذلك ليستعرض قدراتهما على القتال، وبعد أن يعطيهما الفرصة لعرض مهارتهما يردهما لصغر سنهما، فإذا برافع يعرض مهارة إضافية وهي الرمي، ويختبره الرسول (صلى الله عليه وسلم) فيجده رام جيد فعلا، فيختاره ليؤدي مهمة لا تعرضه لخطر كبير.
فإذا بسمرة يعترض ويقول للبنى (صلى الله عليه وسلم): يا رسول الله لقد أخذت رافع ورددتني، وإنني لو صارعته لصرعته، فيقول له البنى (صلى الله عليه وسلم): صارعه.. فيفوز عليه فيجيزه النبي (صلى الله عليه وسلم).
الخلاصة: احترم رغباتهم وأتح لهم الفرصة لعرض مهارتهم ولا تسخر أو تستهزئ بهم.

سابعاً: ابراز الكفاءات وتقديم الثناء

يجيد الوالدان لوم الصغار وبيان عثراتهم، والوقوف كثيراً أمام الأخطاء، وقليل هم من يستخدمون الثناء، ويركزون على النجاحات، وكثيرا ما نقول للآباء: تربصوا بأبنائكم واضبطهم يعملون عملاً حسناً، وكافئوهم عليه.
إن النجاحات تولد من أرحام نجاحات قبلها، وكذلك الفشل، ومن أجل ذلك نجد النبي (صلى الله عليه وسلم) يكثر من الحديث عن تلك المزايا الموجودة في الشباب حوله، ويثنى على تلك المزايا ويبرزها؛ فتجده يقول مثلا: «خذوا القرآن من أربعة..»، ويذكر أربعة من شباب الصحابة.
ويقول عن عبد الله بن عمر(رضي الله عنه) الغلام: «نعم الرجل عبد الله لو كان يقيم الليل»، ويعظم من شأن الشاب علي بن أبي طالب (رضي الله عنه)، فيقول: «لأعطين الراية غداً رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله»، ويقول لعبد الله بن مسعود (رضي الله عنه) عندما سأله أن يعلمه العلم: «إنك غلام معلم»، ويقول لأبي موسى الأشعري (رضي الله عنه) بعد أن سمعه يقرأ القرآن: «لقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود»، ويقول لأشج عبد القيس (رضي الله عنه): «إن فيك لخصلتين يحبهما الله، الحلم والأناة».
الخلاصة: كم تفعل كلمات الثناء في نفوس أولادنا، بل وكم نؤثر بالتحفيز الإيجابي في ثقتهم بأنفسهم.

ثامناً: الصحبة الخاصة

شعور الطفل بمكانة خاصه لدى الكبار يرفع من ثقته في نفسه، ويولد الإيجابية في سلوكه، من أجل ذلك؛ كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يخص بعض الغلمان بوصية أو بعلم. مما يجعل الطفل يستشعر الخصوصية عند المربى، فيُقبِل أكثر على الاقتداء به، وتقدير مواقفه التربوية.
ولقد تكررت كثيرا من الروايات التي تنقل وصايا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) والتي تبدأ بقوله: «يا غلام». ومن ذلك وصيته (صلى الله عليه وسلم) لابن عباس وهو رديفه على الدابة «يا غلام أحفظ الله يحفظك»، ووصيته (صلى الله عليه وسلم) لعبد الله بن عمر «يا غلام أتدرى ما حق الله على العباد»
وكذلك وصيته (صلى الله عليه وسلم) لمعاذ الشاب: «لا تَدَعْ أن تقولَ في دُبُرِ كل صلاة رَبِ أعِنِّى على ذكرك وشكرك وحُسن عبادتك».
الخلاصة: انفرد بطفلك واختصه بوصية، بل واجعل له سر خاص تأتمنه عليه. وأنشأ معه علاقة خاصة مميزة.

تاسعاً: تشجيع الحوار والنقاش وإبداء الرأي

وأعجب حوار هو ذلك الذي مربنا مع الشاب الذي طلب من النبي (صلى الله عليه وسلم) اذن بأن يزني ورأينا سعة صدره (صلى الله عليه وسلم) ومحاورته بأسلوب منطقي وايجابي خارج عن منهج الوعظ الزاجر تماما
والسؤال هو أساس الحوار فكان (صلى الله عليه وسلم) دائم التشجيع على توجيه الأسئلة، والإجابة عنها: وكان يبدأ هو بطرحه السؤال؛ يستحث تفكيرهم ويوسع آفاق مداركهم، كسؤاله (صلى الله عليه وسلم): «ما حق الله على عباده، وما حق العباد على الله؟» ويسأل (صلى الله عليه وسلم): «ألا أدلك على باب من أبواب الجنة؟».
بل قد يؤجل (صلى الله عليه وسلم) إجابة سؤاله لحين ولكن لا ينسى أن ينادي عندما يحين وقت الاجابة: «أينَ السَّائلُ عنِ الهجرةِ؟» «أينَ السَّائلُ عن ثِيابِ الجنَّةِ؟»
بل كان يدربهم على مهارة إبداء الرأي: يسأل عبد الله بن مسعود كيف بك يا عبد الله، إذا كان عليكم أمراء يضيعون السنة، ويؤخرون الصلاة عن ميقاتها؟ وهذا أسلوب تربوي يعطي المتلقي الجرأة على إبداء رأيه دون تملق أو ضعف، ليسلك ابن مسعود بعد وفاته (صلى الله عليه وسلم) سلك التعليم، وينهج مع تلاميذه هذا النهج، فيخرج أعظم مدارس الاستنباط في العالم.

عاشراً: القدوة في الثقة بالنفس

كنت أقف كثيرا عند قول رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كثيرا: «اشهد أني رسول الله»، وفي تفسير العلماء لهذا الموقف الكثير من الاجتهادات المقبولة مثل: أنها تعليم لأمته (صلى الله عليه وسلم)، وأنها تذكير، وغيرها..
ولكن وجدت أنه (صلى الله عليه وسلم) كان يقولها غالبا في المواقف التي فيها قوة وإثبات لنبوته، وقد روت كتب دلائل النبوة الكثير من ذلك، فمثلا: يدعو رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لزوجين متكارهين فتشتد المودة بينهما، فيقول: «أشهد أني رسول الله»، ويدخل حديقة جابر بن عبد الله ولم ينبت نخلها، واليهودي الذي أقرضه يرفض أن يؤجل السداد، ويرفض حتى شفاعة النبي (صلى الله عليه وسلم)، فيجلس (صلى الله عليه وسلم) فيها ويدعو، فيجمع جابر منها ما يسد دينه ويزيد، فيقول (صلى الله عليه وسلم): «أشهد أني رسول الله»، ولما دعا لنزول المطر لتخفيف شدة الصيفِ في غزوة تبوك، وتكثيرِه الطعام ليأكل الجيش، قال (صلى الله عليه وسلم): «أشهد أني رسول الله».
وكذلك نجده (صلى الله عليه وسلم) يثني على نفسه في المواقف التي تستحق الثناء، مثال ذلك: في غزوة حنين، عندما انفض الجيش من حوله، ولم يكن متقدما الا هو (صلى الله عليه وسلم) وبضع من الصحابة، نجده (صلى الله عليه وسلم) يهتف وهو يقذف حفنة من الرمال في وجه المشركين: «أنا النبي لا كذب انا ابن عبد المطلب».
وعن عبد الله بن عباس قال: جلس ناسٌ من أصحابِ رسولِ اللهِ (صلى الله عليه وسلم)، ينتظِرونَه، قال: فخرج حتى إذا دَنَا منهم سَمِعَهم يتذاكرون، فسَمِع حديثَهم. فقال بعضُهم: عَجَبًا! إن اللهَ اتخذ من خَلْقِهِ خليلًا، اتخذ من إبراهيمَ خليلًا. وقال آخَرُ: ماذا بأَعْجَبَ من كلامِ موسى، كلمه تكليمًا. وقال آخَرُ: فعيسى كلمةُ اللهِ ورُوحُه. وقال آخَرُ: آدمُ اصطفاهُ اللهُ. فخرج عليهم (صلى الله عليه وسلم) فسلم وقال: «قد سَمِعْتُ كلامَكم وعجَبَكم، إن إبراهيمَ خليلُ اللهِ، وهو كذلك، وموسى نَجِيُّ اللهِ، وهو كذلك، وعيسى رُوحُه وكلمتُه، وهو كذلك، وآدمُ اصطفاهُ اللهُ وهو كذلك، أَلَا وأنَا حبيبُ اللهِ ولا فَخْرَ، وأنَا حامِلُ لِواءِ الحَمْدِ يومَ القيامةِ ولا فَخْرَ، وأنَا أولُ شافعٍ، وأولُ مُشَفَّعٍ يومَ القيامةِ ولا فَخْرَ، وأنَا أولُ من يحرِّكُ حِلَقَ الجنةِ، فيَفْتَحُ اللهُ لي فيُدْخِلُنِيها، ومَعِي فقراءُ المؤمنينَ ولا فَخْرَ، وأنَا أَكْرَمُ الأولِينَ والآخِرينَ ولا فَخْرَ».
ان حجم ثقة النبي (صلى الله عليه وسلم) بنفسه وبرسالته وبأثره في الكون والناس، كان طاقة تحرك القلوب من حوله الى الثقة العالية بالنفس، وكان الشباب إذا رأوا ذلك من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) تزداد ثقتهم بأنفسهم، ويعلوا الانتماء الذي يبعث الى شدة الثقة داخلهم.
الخلاصة: كن واثقا في نفسك أمام أبنائك، واذكر لهم ما فيك من صفات جميلة، وبين أن انتماءهم لك كأب لهو فخر يجب أن يفتخروا به، ولكن إياك والكذب عليهم، او التظاهر الشديد بما ليس فيك، فإنه عند أول اختبار لك قد تهدم كل الثقة بك وبأنفسهم داخلهم.

فهذه (10) مواقف تربوية لرسول الله (صلى الله عليه وسلم)، تبعث الثقة بالنفس والإيجابية في أطفالنا، وتدفعهم إلى عبور مراهقتهم بسهولة ويسر.
ولا يفوتني في النهاية، أن أذكركم بأقوى دعاء يبث الثقة في النفس: عن المغيرة بن شعبة أنَّ النَّبيَّ (صلى الله عليه وسلم) كانَ يقولُ في دبرِ كلِّ صلاةٍ مَكْتوبةٍ: «لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وحدَهُ لا شريكَ لَهُ، لَهُ الملكُ ولَهُ الحمد، يحيي ويميتُ وَهوَ حيٌّ لا يموتُ، بيدِهِ الخيرُ، وَهوَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ، اللَّهمَّ لا مانعَ لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفعُ ذا الجدِّ منك الجدُّ»
د. أكرم رضا

https://drive.google.com/file/d/1nfOYKBoavjRee5z18jywGDZRyq9_ALjv/view?usp=sharing

Comments

comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*