أسطورة (عاصفة المراهقة)

أسطورة
(عاصفة المراهقة)

عادت مجموعة أصدقائي للنقاش مرة أخرى حول ابنائهم في مرحلة المراهقة بعد قراءة مقال )المظاهر النفسية لمرحلة المراهقة(
وبدأ أحدهم الحوار بقوله : هذه المظاهر العشرة هي العاصفة
قلت أجاريه في تصوره : نعم بدأت في الهبوب في المرحلة السابقة (مرحلة البلوغ) أما في هذه المرحلة (مرحلة المراهقة) فستأخذ قمة العاصفة التي لا بُدَّ أن نتعامل معها ومع آثارها .
وفي المرحلة التالية (مرحلة الشباب) من 18 : 21 سنة تبدأ العاصفة في الانحسار ليجمع الشباب أشتات نفسه ، ويبدأ في إزالة آثار هذه العاصفة .
تململ أحدهم ، وقال : الحقيقة يا جماعة نحن أدخلنا الموضوع في أزمة وعواصف وبراكين ، ألا يمكن أن نتناوله بأسلوب أبسط من ذلك ؟
اتسعت ابتسامتي حيث وصل صديقي الى المفهوم الذي اردت ان يصل للمجموع وقلت:هذه هي تعريفات علماء النفس لمرحلة المراهقة ، وقد تكونوا قرأتم عنها في مرحلة البلوغ ، وأول من قال بذلك (ستانللي هول) عام 1917م عندما ألف كتابه : (حول فترة المراهقة والبلوغ) ، وكان متأثرا بـ (داروين) صاحب نظيرة التطور في آرائه ، وقد ركَّز بحثه على أن فترة المراهقة هي مرحلة ثورة وتوتر ؛ يقول ستانللي : ((المراهقة فترة عواصف وتوتر ، تكتنفها الأزمات النفسية ، وتسودها المعاناة والإحباط والصراع والقلق والمشكلات وصعوبات التوافق)) .
ويرى جرندر (1969م) أن المراهقة مجموعة من التناقضات ، ويُشَبِّه البعض حياة المراهق بحلم طويل في ليل مظلم تتخلله أضواء ساطعة تخطف البصر أكثر مما تضىء الطريق ، فيشعر المراهق بالضياع ، ثم يجد نفسه عند النضج .
ويبالغ (ستانللي) في كتابه السابق ليقول : ((وجميع المراهقين مرضى ويحتاجون إلى المعالجة الطبية والنفسية )) .
ويدق علماء النفس الغربيين جرس الإنذار للآباء ؛ من أجل الاستعداد لعاصفة وضغط المراهقة Adolescence is Storm and Stress لدرجة أن يصفها أحد علما النفس بأنها مرحلة الجنون (Madness).
وقد قام عدد من الباحثين في أمريكا (روزن وزملاؤه) بتجميع جداول مُعَدَّة في العيادات النفسية عن المرضى من سن 10 إلى 19، وقد خرج «روزن وزملاؤه» من العيادات النفسية ، وطبَّقوا حالات المرضى على الأسوياء كما صنع فرويد (عالم النفس) في نظرياته وهول فى كتاباته .
اتسعت ابتسامتي اكثر وانا أنظر الى الوجوه المشدوهة أمامي وأكملت :
والدراسات السابقة تعني أن الغالبية العظمى من المراهقين مرضى نفسيين ، ودخلوا العيادات النفسية ، هذا مع العلم أن المجتمع الأمريكي تتعقد فيه الحياة ، وتنحرف عن الفطرة السوية وجميع من درس المراهقين لم يدرسوا المراهقه السوية بل المريض فى العيادة النفسيه !
ويقصد أصحاب المفهوم السابق للمراهقة أن المراهقة مرحلة توتر واضطراب وعاصفة ، لذا يجب على المربين التغاضي عن هَفَوَاتِ المراهقين رَيثَمَا يجتاوزون هذه المرحلة؛ لأن المراهق في نظرهم مريض، ولا حرج على المريض .
لم ينتظر صديقي المنفعل وقاطعني في شيء من الحِدَّة : وهكذا نتركهم بلا تربية ولا توجيه لأنهم مساكين ، مرضى ، مجانين ! !
اشترك صديق ثاني في المقاطعة وقال : و يمكن أن يُسَنَّ قانون بعدم التعرض لهم كما حدث في أمريكا .
لم يفت صديقي الساخر أن يسخر من هذا الموقف فقال :يعني الولد ممكن يسجني لو ضربته مثلا ، ونصبح نحن المخطئين ! ألم نكن مراهقين أيضًا ؟ ! لم نرَ هذا أبدًا ! !
حتى صديقي الهاديء خرج عن هدوئه وقال : أظن أن هناك اختلافًا بيننا وبين أمريكا ؟ !
استشعرت أنني وصلت لهدفي فقلت في هدوء : أنا سعيد بهذا الانفعال ؛ فهو يدل على الرفض لِرَبْطِ قيم حياتكم بقيم الغرب ؛ وذلك للاختلاف الكبير جدًّا بين مصادر قيمنا وعاداتنا وتقاليدنا ومصادرهم ، ولذلك نجد الكثير من علماء النفس المسلمين في عصرنا الحديث يرفضون هذا الأمر منهم الدكتور فؤاد أبو حطب في كتابه المرجعي الضخم (نمو الإنسان)
ولكن ليس رفضًا انفعاليًّا ولا ساخرًا ؛ إنما هو رفض قائم على نظرة متعمقة للأمر ؛ حيث وجد علماء النفس أن المفهوم السابق للمراهقة مأخوذ من دراسات غربية أجريت على المجتمعات في أوربا وأمريكا خاصة ، ثم عُمِّمَت نتائجها على الآخرين ، وكأن المجتمع الأمريكي عينة صحيحة تمثِّل المجتمع الإنساني السوي أو القدوة!!
ونجد عالمًا مثل الدكتور عبد الرحمن العيسوي ؛ أستاذ ورئيس قسم التربية النفسية وعلم النفس بكلية الآداب جامعة الاسكندرية يضع عنوانًا موفَّقًا لهذه الفكرة فيسميها : (أسطورة العاصفة) ، ويعلق على الرأي السابق في كتابه : (سيكولوجية المراهق المسلم) فيقول : (( الحقيقة أن هناك فروقًا فردية واسعة في مثل هذه الاضطرابات ، وهناك أعداد كبيرة من المراهقين الأسوياء والدراسات الحديثة تؤكد أن المراهقة ليست بالضرورة مرحلة عواصف وضغوط ، ففي بعض هذه الدراسات لم تزد نسبة المضطربين عن 20% ، وكانت في الحقيقة لديهم أسباب قوية للاضطراب ، فكان اضطرابًا مرضيًّا ناشئًا عن عوامل وضغوط نفسية واجتماعية ، والغالبية منهم تنحدر من بيوت محطَّمة وغير سعيدة ، وكان الآباء إمَّا متسلطين أو مهملين ، أمَّا المراهقين الأسوياء فإنهم ينحدرون مِنْ أُسَرٍ يسودها الوئام والانسجام)) .
لمحت الرضا على وجوه الجميع ، فاستطردت قائلا :
فالمراهقة إذن في دراستنا على أبنائنا هي :
1- فترة تغيـــرات :
فترة تغيرات شاملة وسريعة في نواحي النفس والجسد والعقل والروح لدى الشاب المراهق ، وهي فترة نمو سريع في هذه الجوانب كلها ، حتى قيل : إن المراهقة هي فترة انقلاب كامل ، وفيها تحدث تغيرات كثيرة تطرأ على وظائف الغدد الجنسية بجانب التغيرات العقلية والجسمية والنفسية .
2 – مرحلــة انتقال :
وهي تعتبر مرحلة انتقال من الطفولة إلى الرشد ؛ لأن في مرحلة الطفولة كانت التغيرات طفيفة تدريجية ، خلافًا لمرحلة المراهقة التي تجري فيها التغيرات بمعدلات كبيرة جدًّا ، وتتميز بتغيرات سريعة وشاملة للفرد ، وذلك يعني أن القلق والاضطراب ليسا حتميين .
3 – تعتمد على المجتمع :
فترة المراهقة قد تطول وتقصر بحسب حضارة المجتمع ، وقد تُلْغَى هذه الفترة من العمر ، وينتقل الطفل فيها إلى مرحلة الرشد مباشرة ، كما هو الحال في المجتمع الرعوي والزراعي ، وقد تطول فتسبب القلق كما هو الحال في المجتمع الصناعي المعقَّد ، وبذلك تصدق مقولة : (إن المراهق ابن بيئته ).
4 – بلا أزمـــة :
فالنمو الجنسي في المراهقة – مثلا – قد لا يؤدي بالضرورة إلى أزمات ، ولكن النظم الاجتماعية المكشوفة هي المسؤولة عن أزمة المراهقة ولقد بالغ بعضهم في وصف المراهقة بالعاصفة أو الجنون أو أنها مرحلة مرض يحتاج المراهقون فيها إلى علاج – كما مَرَّ معنا عند أصحاب الرأي الغربي، وظل هذا الرأي مقبولا لمدة طويلة منذ مطلع القرن العشرين ، بينما تؤكد الدراسات الحديثة أن المراهقة ليست بالضرورة مرحلة عواصف وضغوط ، إنما هي مرحلة نمو سريع ، وتحول من الطفولة إلى الرشد .
5 – مجتمع بلا مراهقة :
وسوف نلاحظ أن المجتمعات الإسلامية في عهودها الأولى قد تسامى فيها الشباب نحو أعمال البطولة والجهاد والدعوة والعبادة والعلم ومعالي الأمور ، مِمَّا يؤكِّد أن فترة المراهقة ليست فترة أزمات بالضرورة ، وإنما قد تحولت إلى طاقات بنّاءة بسبب التربية العقدية والسلوكية تحت مظلة الدين الجديد .
عاد صديقي إلى حزنه ، وقال :كلام جميل ، ولكن لم ينكر أن هناك مشكلة .
قلت :الحقيقة أن مشكلة المراهقة هي تأخير اندماج تلك الطاقات في عالم الكبار .
إن أزمة المراهقة تنشأ من تعقد الحياة ، وطول الفترة التي يحقق فيها المراهق استقلاله الاقتصادي ، فبوصوله إلى الاستقلال الاقتصادي يبدأ في أولى عتبات النضج ، ولذلك فأزمة المراهقة أخف في الريف عنها في المدينة .
أما المراهق في العصر الحديث فإن مشاركته في مجتمع الراشدين البالغين تتأجل حتى يتم تعليمه ، ويتقن تخصصه ، ويتعلم مهنة ما ؛ وبذلك فإن سن الزواج بالتالي يتأخر .
وهكذا فإن مرحلة المراهقة في مجتمعاتنا الحديثة تبدأ من سن البلوغ ، وتنتهي في سن الثانية والعشرين ؛ حينما ينتهي الشاب من دراسته الجامعية التي يبقى خلالها عالة على والديه .
وينكرعلم النفس الحديث تمامًا أن مرحلة المراهقة هي مرحلة مصحوبة بمظاهر سلوكية تدل على الانحراف أو سوء التوافق – خلافًا للمعنى الشائع عند بعض الباحثين – بل يرى أصحاب علم النفس الحديث أن هذه المظاهر ما هي إلا حالات عارضة تصاحب النمو السريع للمراهق .
وكل عجز عن التكيـف ، أو اضطراب في السلوك ، أو تمرد هدام أساسـه ما يصادفه الفتى من ظروف تسبِّب له هذا التوتر أو عدم التكيف .
ويأتي ذلك نتيجة لعوامل إحباط قد يتعرض لها الفتى في الأسرة أو المدرسة أو المجتمع ، وهذه العوائق وعوامل الكبت والإحباط هي التي تدعو المراهق – عادة – إلى العناد والسلبية وعدم الاستقرار ؛ ومن ثَمَّ الالتجاء إلى بيئات أخرى قد يجد الفتى فيها منفذًا للتعبير عن حريته المكبوتة .
نظرت الى عيون الاصدقاء التي تتطلع الي وقلت لهم وانا اتنفس في راحة:اذا فالمراهقة ليست مرحلة صراع حتمي في بيوتنا ولكن ظروف التربية ووسائلها هي التي تحولها الى صراع وأرجو أن تكونوا جميعا قد حطمتم أسطورة ذائفة روجتها افلام هوليود الهزلية اسمها (عاصفة أو أزمة المراهقة)

د.أكرم رضا

تحميل الملف من هنا

Comments

comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*