التفكير ومفعول العاطفة

التفكير
ومفعول العاطفة

قلنا في مقال سابق أن من خطواتك على طريق إدارة الذات: أن تصحب معك تفكيرا
ولكن ليس أي تفكير، فلا بد أن يكون تفكيراً واقعياً.. إيجابيًّا.. متزناً.. وأخيرًا منطقيًّا بعيداً عن العاطفة.
فيجب أن يقف مفعول العاطفة عندما يبدأ التفكير، فلا يبدأ التفكير إلا بعد انتهاء العاطفة ، وحتى تصل بالتفكير إلى الحقائق لابد أن تسلك الطريق المحايد بين العاطفة والتفكير وإليك بعض معالمه:
1- الموازنة بين العقل والعاطفة:
التفكير المتزن هو الذي يوازن بين العقل والقلب، واعلم أن العقل هو أداة التفكير، وينسحب ويتوارى عندما تسيطر العاطفة ، فلا يكونا قوتين متضادتين، ولكن يقوي كل منهما الأخرى.
2- الموازنة بين التوكل والأسباب:
فلا يبدأ التفكير إلا بعد الإيمان بالأسباب ، ونذكر معًا قول عمر : (هل تظن أن السماء تمطر ذهبا أو فضة).
هذا القول ببساطة لمن جلس دون عمل وقال: أتوكل على الله.
وهل كانت مريم الحامل ، تستطيع أن تهز جذع نخلة عندما قال لها ربها:
﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ [مريم: 25].
ولكنه قانون الأسباب ، والتحفيز إلى بذل الجهد ، إنها الأسباب والوسائل التي هي سبيل إلى قدر الله.
وهل يحتاج الله دعاءك ليستجيب لك!؟ ولكنه سبحانه وتعالى ما زال يربط في عقلك بين السبب والنتيجة حتى تظل تسعى ﴿وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:60].
3- استخدام الحواس:
فلا تسلم بصحة شيء إلا بدليل، وفرق بين الحقيقة العلمية التي دخلت المختبر واستخدمت حواسك في معرفتها وبين النظرية التي ما زالت في طور الدراسة ولم تكشف الأيام بعد أبعادها.
4- كن محايدًا:
وإليك طريقة للتفكير المحايد:
أ – استخلص الحقائق كأنها لغيرك وليست لك.
ب – استخلص من الحقائق ما هو ضد مصلحتك، كأنك متهم.
أصبح الآن عندك نوعان من الحقائق: الحقائق التي تؤيد مصلحتك والحقائق التي تناقض مصلحتك. والرأي الصحيح هو ما يتوسط النوعين.
تعلم كيف تفكر؟
عندما تستمع إلى قول التابعي الجليل محمد بن عجلان (رحمه الله): [إذا اخطأ العالم قولة (لا أدري) أصيبت مقاتله]. أي إذا لم يستخدم كلمة (لا أدري) عندما يعرض عليه سؤال لا يعلمه فإن ذلك إصابة خطيرة في علمه.
وقد سمعت من قال: [كفى بالمرء جنونًا أن يجيب على كل ما يسأل عنه].
وإذا سمعت الإمام الشافعي يقول: [ما ناظرت أحدًا إلا وأحببت أن يكون الحق على لسانه]. وإذا سمعت ابن عمر  يقول: [خذ الحكمة، ولا يضرك من أي وعاء خرجت].
إذا سمعت أمثال هذه الأقوال ألا تستشعر أن إضافة جديدة قد حدثت لك، وأن أسلوبًا جديدًا من التفكير يمكن أن تكتسبه.
وهكذا يكون تعلم التفكير، بصياغة العقل من جديد على مبادئ التفكير الجيد السديد ويمكن استعراض مجموعة من هذه المبادئ هنا:
1- المقارنة:
وهي أبرز أوجه الاتفاق والاختلاف والعلاقة بين الأشياء. وقد علمنا الله سبحانه وتعالى هذا الأسلوب في التفكير عندما قال: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:9]. وعندما قال: ﴿أَفَمَن يَّمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَّمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الملك:22].
وهذه الآيات وأمثلتها طريقها إلى العقل مباشرة حيث محل التفكير.
2- الملاحظة:
وتحدثنا عنها في أول هذه الخطوة، حيث إلحاح القرآن الشديد على التفكير.. وكيف أنه لن يستفيد من آيات الله إلا المتفكرون، سواء المقرءوة أو المنظورة في الكون ويكفي قوله تعالى: ﴿وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:20 -21].
ويرتقي القرآن بهذه الوسيلة ويجعلها من أفضل وسائل التفكير السديد للوصول إلى الحقائق، حيث يطالبنا باستخدامها حتى معه سبحانه وتعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ * الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتِ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ﴾ [الملك: 1 – 3].
كل هذه حقائق في القرآن كان يكفي ذكرها فيه لنؤمن بها ، ونطالب بتبعات الإيمان بها ، ولكن الله تعالى يطالبنا بمراجعتها باستخدام وسيلة الملاحظة والبصر ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ﴾ ، وأكثر من ذلك لا تكتفي بالنظرة الأولى بل أعد النظر مرة ومرة ﴿ثُمَّ ارجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾..
ثلاث مرات من الملاحظة لتأكيد كلام رب العزة سبحانه وتعالى.. فما بالنا بكلام البشر؟ يقول رسول الله ﷺ : «لا تَكُونُوا إِمَّعَةً تَقُولُونَ إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنَّا، وَإِنْ ظَلَمُوا ظَلَمْنَا، وَلَكِنْ وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَنْ تُحْسِنُوا، وَإِنْ أَسَاءُوا فَلا تَظْلِمُوا».[ الترمذي-حسن غريب]
ويقول محمد بن سيرين التابعي الجليل: «لا يتبعن رجل في دينه رجلا إن آمن آمن، وإن كفر كفر ، وإن شئتم أن تتبعوا فاتبعوا الميت فهو أبعد عن الفتنة».
ويقول: «إن هذا العلم دين فانظروا ممن تأخذون دينكم».
3- التلخيص:
لا بد أن تتعامل مع أي مادة تدخل عقلك باهتمام ، ولا تتركها كأنها السيل المتدفق، ولكن استخلص أهم الأفكار ، وأفضل العبارات ، وأحكم الآيات ذلك من المقال أو الكتاب أو حتى الكلام المسموع.
ابتكر لنفسك أرشيفا خاصًّا تحتفظ فيه بملفاتك فقد تستخدمها يومًا ما.
4- التصنيف:
وهو علم قائم بذاته له دراسات في الجامعات ، ولكنه ببساطة يعني جمع المتشابهات في مجال واحد في مكان واحد.
ولقد علمنا الله سبحانه وتعالى ذلك التصنيف في أول سورة البقرة ، حيث استعرض أصناف الناس في المدينة المنورة عند الهجرة فكانوا أربعة:
الصنف الأول: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة:3].. المؤمنون.
الصنف الثاني: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة:6].. الكافرون.
الصنف الثالث: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الآَخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: 8].. المنافقون.
الصنف الرابع: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة: 40].. اليهود.
وهكذا حتى لا تتداخل الأمور..
ومن أفضل فروع علوم النبات والحيوان ، وأهمها علم التصنيف Classification الذي بذل فيه العلماء الكثير فجعلوا للحياة شجرة تدرك جذورها وسيقانها وفروعها وأوراقها بسهولة.
وهكذا في حياتك صنف الاحتياجات، صنف المشكلات، صنف الأعمال، صنف العلاقات.. لا تعامل كل صنف بنفس الطريقة فكل له حق مختلف.
5-استخدام اللعبة والحكاية واللغز:
وهي مسائل منشطة للتفكير ، وتدخل إلى مراكزه في العقل مباشرة وبمراجعة مجموعة من الكتب التي كتبناها سنجد الكثير منها.. سنجد الحكاية.. واللعبة .. واللغز..
والله سبحانه وتعالى قص في كتابه لنا الكثير من القصص.. وبين أهميتها يقول تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ [يوسف: 3].
بل ونجد أن التفكير هدفًا رئيسيًّا من أهداف القصة في القرآن ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف:176].
ولن يستطيع أن يستفيد من هذه القصص إلا من أعمل لبه فيها..
﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولِي الألْبَابِ﴾ [يوسف: 111].
والكثير من الوسائل التي هي من أعمال العقول والتي بها العقل يستمر في لياقته الذهنية العالية فلا يصدأ بقلة الاستخدام ومن الأمثلة التفسير والنقد البناء والتخيل.
ولكن ما زالت هناك وسيلتان من وسائل تعلم التفكير وتحسينه يحتاجان أن ننبه إليهما:
1- الحوار مع أهل الفكر. 2- القراءة والإطلاع.
توقف عن التفكير
وهذه حكاية تدل على ما نقول، حيث إننا لن نستطيع أن نترك التفكير إذا شغلنا به.
رجل وقف خلف الإمام يصلي صلاة رباعية (ظهر أو عصر مثل).. وبعد انتهاء الصلاة قام الرجل وقال لإمامه.. لقد صليت ثلاث ركعات لا أربع..
تعجب الإمام ونظر إلى المأمومين خلفه وكانوا قليلين ، فلم يجد أحدهم قد استشعر ذلك ، راجع الرجل وقال له: إن الجميع وأنا لم نستشعر بأننا صلينا ثلاثا.
أصر الرجل والإمام يراجعه حتى سأله ، وكيف تأكدت هكذا؟ فقال له الرجل: إن عندي أربعة دكاكين كنت أراجع حساب كل واحد في ركعة ، واليوم راجعت حساب ثلاثة منها فقط.
نعم قد يكون هناك شيء من الفكاهة في قصتنا، ولكنه ضحك باكي، حيث يختلس منا الشيطان الكثير من صلاتنا؛ ولذلك أنبهك أن كل تفكير له موقعه الخاص به.
متى نفكـر؟
والآن نسأل أنفسنا : متى نفكر؟
في طريق إدارتك لذاتك لا بد أن تصحب تفكيرك المستمر:
1- عند وضع الهدف.
2- عند التخطيط لتنفيذ الهدف.
3- عند محاولاتك لتغيير بعض خطوات الخطة.
4-عند وجود مشكلات على طريقك.
5- عند البدء في تنفيذ الخطة.
6- عند انتهاء الخطة.

د. أكرم رضا

للتحميلحمل الملف من هنا

Comments

comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*