التفكير حياة

التفكير حياة

[انطلق الشاعر يحكي لمن حوله كيف يقسم عمل يومه؟ فقال: إنني أدرس اللغة البرتغالية بينما أحلق ذقني، وأترجم عن الأسبانية ساعة قبل أن أتناول إفطاري، ثم أقضي النهار حتى موعد الغداء في القراءة، وأمضي المساء حتى موعد العشاء في الكتابة.. ثم أنام، وهكذا… ألا ترون أني لا أضيع ثانية من وقتي؟!
وهنا سألته إحدى السيدات: هذا جميل ولكن متى تفكر ياسيدي؟!
إن التفكير من الأهمية في حياة البشر حيث لابد ألا يشغلك عنه شيء ، إلى حد أن جعل الفيلسوف الفرنسي ديكارت يقول: «أنا أفكر إذا فأنا موجود».
أما أمرسون الشاعر الامريكي فيقول: «إذا أخبرتني بم يفكر الرجل؟ أقول لك: أي رجل هو».
وماركوس أدريليوس أحد أباطرة الرومان يقول: «حياتنا من صنع أفكارنا، فالتفكير هو تمهيد لمواقع أقدامي.. وكلما ازددت تفكيرًا كلما ازدادت المساحة الممهدة لي في الحياة ».
قد وردت لفظة التفكير في القرآن الكريم في عشرات المواقع
يقول تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 164 – 167].
ويقول تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآَيَاتٍ لأُولِي الألْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: 190- 191].
في هذه الآية بيان لمواقع الحياة التي يمهدها التفكير لصاحب ﴿وَيَتَفَكَّرُون﴾.. فما هي أهم الموقع التي مهدها هذا التفكير:
﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً﴾الاعتراف لله بالخلق والإبداع الحق..
وموقع ﴿سُبْحَانَكَ﴾ وهو تنزيهه سبحانه وتعالى عن كل نقص…
وموقع ﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ وهي عبادة الخوف والرجاء حيث قمة الإيمان.
وفي أكثر من موضع من القرآن بين الله تعالى أنه لن يستفيد من القرآن والآيات ومن القصص ويأخذ منها العبر إلا الذين يتفكرون: ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف:176].
﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الرعد: 3].
من الذي يستطيع أن يستفيد من كل هذا الإبداع في الخلق إنهم الذين يتفكرون ، الذين يتفكرون فقط.
فهل المطلوب هو أي تفكير؟!
أود أولاً أن نستعرض قصة رجل.. فكر وفكر ولكنه لما فكر.. ماذا حدث له..؟‍!
لقد كان تفكيره وبالا عليه.. لقد جر عليه غضب الله.
يقول تعالى لنبيه عن هذا الرجل: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا*وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُودًا * وَبَنِينَ شُهُودًا *وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيدًا * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلاَّ إِنَّهُ كَانَ لآَيَاتِنَا عَنِيدًا﴾ [المدثر: 11 – 16].
ماذا سيفعل فيه ربنا: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا * إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾ نعم لقد فكر.. ولكنه تفكير من نوع عجيب ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ [المدثر: 18 – 19].
إنها آيات تمتلأ بالعجب من موقف إنسان يفكر.. فيخرج بنتائج غير متوقعة نتائج عجيبة انظروا إلى نتائج تفكيره تبدو على وجهه ﴿ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ﴾ [المدثر: 21 – 23].
ما هي نتيجة كل هذا الجهد؟
﴿فَقال إن هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر: 24 – 25].
والموضوع يحتاج منا أن ننظر إلى حكايته بالتفصيل حيث يرى البعض أنه فكر وهذا هو المطلوب أما نتائج التفكير فلا يحاسب عليها ونسوا أن المقدمات الفاسدة تعطي نتائج فاسدة.
إنه الوليد بن المغيرة سيد قومه وشاعرهم، وأعلمهم باللغة وأكثرهم حكمة.جاءه قومُه يُهرَعون إليه: اذهب إلى محمد فكلمه أن يكف عن دعوته.
ورسول الله صلى الله عليه وسلم ما جاء قريشا إلا بالقرآن، فلما التقى الوليد بمحمد صلى الله عليه وسلم واستمع منه إلى القرآن رجع إلى قومه، وقد أخذ القرآن بمجامع قلبه،وقال لهم: «والله ما هو بشعر ولا سحر ولا هذي من الجنون».. «والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وأن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق.. وإنه يعلو ولا يعلى عليه».
هكذا كان الوليد عندما فكر بعقل سليم وبمنطق إيجابي..وبمقدمات سوية. فلما علم قومه بما قال قالوا: «لقد أسلم أبو الوليد»، وهذا يعني أن هناك هزة كبيرة ستحدث في موازين القوى بين أتباع محمد صلى الله عليه وسلم والمشركين.
واهتم الناس جدًّا بهذا الأمر إلا أن أبا جهل قال لهم: لأكفينكم شأنه، ودخل عليه وسأله عن قوله في القرآن فأعاد عليه الوليد القول.
فقال له أبو جهل الماكر: ولكن الناس يجمعون لك عطاءً ليعطوك، فتعجب الوليد الذي كان من أغنى الناس فقال له أبو جهل: إنهم يقولون إنك تدخل على محمد لتصيب من عنده عطاء.
فانفعل الوليد وأخذته جاهليته، وقال: أو قالوا ذلك؟.. والله لا أقرب محمداً ثانية.
وهنا يجد أبو جهل فرصته السانحة فيقول: ولكن الناس لا يرضيهم ذلك؛ حتى تقول في محمد وقرآنه قولاً آخر..
وهنا يدخل تفكير الوليد مغارة مظلمة.. كيف يغير من الحقيقة التي يعلمها بل والتي تشربتها نفسه..
فيفكر ويقدر.. ويحتاج منه الأمر هذا العناء الشديد ليخرج على الناس يقول: ﴿إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ ، فماذا يستحق صاحب هذا التفكير السقيم..
﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ * لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ * عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر: 26–30].
هذا النوع من التفكير ليس ما نقصد.. ولكن نقصد نوعًا آخر قال الله تعالى عنه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾[الأحزاب: 70 – 71].
والقول السديد ينبع من فكر سديد ليس فكرًا مختلاً أو هوى فاسدًا.. والنتيجة كما بين الله تعالى:
– صلاح الأعمال في الدنيا.
– وغفران الذنوب في الآخرة.
وعندما يسأل سائل: وما هو المنهج السليم الذي ينتج التفكير السديد الذي يترجم إلى قول سديد تكون إجابة الآيات ﴿وَمَن يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾.
فالمحصلة النهائية: (الفوز العظيم)
الإنسان الصالح تفكيره سديد أم من يتبع مع صلاحه منهجا سليما هو منهج الله فنتيجة تفكيره: الفوز العظيم.
التفكير الجاد:
وأنت في طريق إدارة الذات لا بد أن تحدد أي نوع من التفكير يقود تصرفاتك؟! هل هو تفكير واقعي أم خيالي؟ إيجابي أم سلبي؟ منطقي أم عاطفي؟ متزن أم أحمق؟
1- أما التفكير الواقعي: فيقوم على الخبرات الحسية المباشرة، أو على الصورة العقلية التي يزودنا بها الإدراك الحسي، ويرتبط هذا التفكير بالواقع، ويحاول تغييره أو التوافق معه.
2- وأما التفكير الخيالي: فهو لا يكاد يلمس الأرض، وليس هناك أي اعتبار للإمكانيات، وحتى لا يهتم صاحبه هل يمكن تحقيقه أم لا؟ إن قمة اللذة والشعور بالسعادة هي مجرد الحلم؛ لأن الأحلام هي نوع من استبدال ما يجب أن يحدث بما يتمنى أن يحدث دون بذل مجهود.
3- والتفكير الإيجابي: يقوم على دراسة الأسباب ووضع الحلول الممكنة في ضوء الإمكانيات مع وضع أكثر من بديل.
4- وأما التفكير السلبي: فهو الهروب!! وهو طريق إلى اليأس يبدأ بحماس زائد يمنع عن الدراسة الجيدة وينتهي بتهافت وسقوط مزرٍ.
5- والتفكير المتزن: يقول كارنيجي عنه: إن التفكير المتزن يفترق عن التفكير الأحمق في نقطة أساسية لا يمكن عدم ملاحظتها، وهي أن الأول يعالج الأسباب والنتائج، ويؤدي بفضل تلك المعالجة إلى وضع خطة منطقية بناءة عند المفكر.
6- وأما التفكيرالأحمق: فيتسم بالتوتر وعدم الرؤية، ويفضي إلى الانهيار العصبي وهو أولى درجات الإخفاق والفشل.
وتذكر أن من خطواتك على طريق إدارة الذات: أن تصحب معك تفكيرا
ولكن ليس أي تفكير، فلا بد أن يكون تفكيرا واقعيا.. إيجابيًّا.. متزنا.. وأخيرًا منطقيًّا بعيدا عن العاطفة.
هل أدركت الآن معنى عنوان هذا المقال : التفكير حياة
د.اكرم رضا

للتحميلحمل من هنا

Comments

comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*