إذا خاصم فجر

إذا خاصم فجر!

-«الكذب هو أس النفاق والذي بني عليه»
هكذا قال العلماء …
ابتسم صاحبي وقال برفق: مالك تشتد اليوم!!هون عليك، قلت له: قبل أن أشرح لك قصدي من هذه العبارة، تعالى أنقل إليك صورة مما يحدث في مكتبي كثيراً عندما يحضر زوجان قد اشتد الصراع بينهما ولفحهما ناره فاختاراني ظناً منهم أني أجيد إطفاء أمثال تلك الحرائق بالرغم من استمرار أصحابها في النفخ فيها فإذا بها تكاد تحرقني …
قال صاحبي وقد اتسعت ابتسامته: لا.. أنت اليوم في أشد حالاتك انفعالاً.
لم أكن في حال يسمح بالهدوء فقلت له: اسمع أرجوك ..
يجلس الزوجان وكل منهما قد أعد وليمة من الأعشاب المرة والحارقة لصاحبه، ويبدءان في الحكي، وتتشابك الأصوات وأُهَدأ هذا وأُهَدأ هذه حتى أصرخ فيهما بشدة ليسكنا. ويبدأ كل واحد منهما على انفراد في حكايته فلا يجد منقصة إلا وذكرها في الآخر.
وأنا أُلاحِقهُما مهدئاً: ألا يوجد شيء حسن؟!!
فيكون الرد: إطلاقاً لم أرى منها يوماً سعيداً، لم أرى منه لحظة إلا أحزنني!! حتى ما يجلب السعادة في البيت أجدهما قد قلباه إلى سوء .
والحقيقة إن أقسى ما أجد من ألم أجده من ذلك الزوج الغليظ الذي صب لعناته على رأس زوجته وأهلها وكل من يمت إليها بصلة .
إن أبواها جحيماً، وإخوتها عذاباً ورائحتها لا تطاق، وأسلوبها لا يحتمل، بيتها مذبلة، نهارها مضيعة، ليلها منغصة، مرضها قلق، نومها أرق، إذا تكلمت أوجعت وإذا استمعت قاطعت. وهكذا …. ولا شيء فيها يستحق العيش معها، ثم أنني – والكلام على لسان صاحبنا المنفعل – سوف أطلقها لأنها تريد ذلك، فهل لها أي حقوق علي إن أنا طلقتها وهي كما وصفت لك؟ انفجر صاحبي ضاحكاً: وقال إذاً هذه هي العلة، التخلص من الواجبات.
قلت له: والله يا أخي لا أدري ما هي العلة؟ سوى شعوري بحالة مجتمعية يمر بها الأزواج في مراحل الزواج المختلفة أجد فيها البيوت تتصدع والسبب هو ذلك (القَوَّام) القائد الذي من المفترض فيه أن يكون راعياً لها، ذلك الرجل الذي وضع الله مقاليد الأمر بيده ولم يلجأ إلى انتخابات لاختياره فيُزَوِّر ويُبَلْطِج أو يستعين بالمُسَجِلات في ملفات الاجرام أو يغتصب نزاهة قاضٍ مجرم أو يخاف على قوت أولاده .
هذا القائد مختار بأمر الله لقيادة السفينة، فإذا به لا يتحمل موجة عاتية أو ريح عاصف فيثقب سفينته ظناً أن ذلك سبيل الهرب فإذا به أول من يغرق.
لوى صاحبي عنقه وقال في تغاضب: إذاً الحملة اليوم على الرجل .
انفعلت أكثر وقلت له :يا أخي أنا لا أحمل على أحد أَكُلَّما تحدثت عن أخطاء الزوجات المدمرة قلتم عدوا للمرأة ؟
قال صديق مداعبا أو أن تكون المدام (مزعلاك) مثلا؟
جاريته في ابتسامته وعدت قائلا فاذا ذكرت مصائب الرجال في بيوتهم قلتم حملة على الرجال وتقرب من المرأة؟!
ثم أي رجل تعني !؟ …
وصف الله تعالى الرجل في قرآنه في ثلاثة أشكال، الذكورة والرجولة والزوجية .
فالذكورة نوع يقابل الأنوثة وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيرًا [النساء 124].
الرجولة يا أخي موقف، ومواقف الرجولة في القرآن تشرق على الذكورة فتجعلها متميزة، فهو يأتي من أقصى المدينة يسعى ليحذر موسى إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ [القصص 20].
أو يحب الطهارة والمساجد رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللهِ وَإِقَامِ الصَّلاَةِ  [النور 27].
أو يَصْدُق فيما عاهد الله عليه مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ [الأحزاب 23].
أو يرعى بيته ويحرسه ويقوم عليه إنفاقاً وحباً الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ [النساء 31] .
والزوجية علاقة ومسئولية ورعاية؛ الزوجية قٌوامة بمعنى الحراسة والرعاية، شعارها «عَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ مَا مِنْ رَجُلٍ يَلِي أَمْرَ عَشَرَةٍ فَمَا فَوْقَ ذَلِكَ إِلَّا أَتَى اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ مَغْلُولًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَدُهُ إِلَى عُنُقِهِ فَكَّهُ بِرُّهُ أَوْ أَوْبَقَهُ إِثْمُهُ أَوَّلُهَا مَلَامَةٌ وَأَوْسَطُهَا نَدَامَةٌ وَآخِرُهَا خِزْيٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (رواه أحمد).
وسائقها «عَنْ أَنَسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ اللَّهَ سَائِلٌ كُلَّ رَاعٍ عَمَّا اسْتَرْعَاهُ» (رواه الترمذي) .
الزوجية درجة، ولا توزع الدرجات جزافاً إلا في مجتمعات التخلف والقهر والظلم، إن الدرجات في الإسلام معمولة لأهل الإيمان والعلم يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ [المجادلة 1] .
فهذا هو الرجل يا أخي، أما من يحيك القصص إما اختلاقاً وكذباً وإما لنشر ما أستودعه الله إياه من الأسرار في جلسة لا يبغي فيها إلا فضح امرأته، فهل تقول على هذا أنه رجل ؟
أَسْكَتُّ صاحبي بإشارة من يدي قبل أن يتكلم وقلت له: أَعلم أنك ستُذَكِّرني أن النساء يَكفُرن العشير ويقلن ويفعلن أكثر من ذلك …
ابتسم صاحبي وهو ينتظر الإجابة، فقلت له: يا رجل!! وما الفرق بين الرجولة والأنوثة ؟
ثم اسمع معي هذه الحكاية لتدرك من أين يحصل الرجال على الاحترام والتقدير .
وقف الزوج وزوجته (المنتقبة) التي تغطي وجهها زيادة في الحياء والستر أمام القاضي، والمرأة تصرخ تستجير بالقاضي أن يعطيها زوجها حقها الذي سلبه منها، قال القاضي بعد سكته متفحصة: إذاً ارفعي هذا الغطاء عن وجهك حتى يتبين حالك فإن كشف الوجه للتقاضي من الضرورات.
وهمت المرأة أن تفعل ما أمرها به القاضي فإذا بزوجها يهب واقفاً ويندفع نحو القاضي قائلاً لا يا سيدي القاضي إن امرأتي محقة في كل ما تشكو، وسو فلأعطيها ما تطلب وأكثر ولا ترفعوا لها ستراً، وهنا تحركت الزوجة لتجلس في جوار زوجها ثم تعلن: سيادة القاضي إني تنازلت لزوجي عن كل مالي عنده. ومع تلك الدمعات الفرحة التي نزلت من عين الحضور كما نزلت دمعاتك الآن أعلن القاضي أن اكتبوا هذه في مكارم الأخلاق .
هكذا يا أخي، إن المرأة رغم ما لا أخفيه عليك مما تسببه من أذى لزوجها في كثير من الأحيان لا يخرجها من بيتها ولا يلجأها أن تحكي عن زوجها أو تشتكي منه إلا أمرين إما إيذاءاً منه لها بقنابل الدخان الخانقة والمسيِّلَة للدموع التي يطلقها على سكنها ليل نهار، وإما نوع من جذب الانتباه واستجداء الحب التي حرمت من ملامحه غالباً .
سكت صاحبي قليلاً ثم رفع عينه وقال لم تحدثني عن أس النفاق الذي جعلته عنوان المقال، وموقع (إذا خاصم فجر) في حديثك اليوم . قلت له وأنا أُخرج أنفاسي العميقة من الأسى، قد يكون لنا حديث آخر حولها إن شاء الله .
د.أكرم رضا
للتحميل

Comments

comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*