إدارة الذات: أن تخطو خطوات إلى النجاح

إدارة الذات:
أن تخطو خطوات إلى النجاح

(التجربة خير دليل)
هكذا يقول أهل الخبرة عندما يضعون تجاربهم بين أيدينا لنستفيد منها، ولقد تقدم أهل الحضارات الأخرى في سباق دراسة النفس الإنسانية لما وجدونا نحن -أهل الحضارات السماوية- قد تركنا هداية ربنا.
يقول الشيخ محمد الغزالي (رحمه الله): «وللفطرة في بلاد الإسلام كتاب يتلى، ودروس تلقى، وشعوب هاجعة».
نعم، الكتاب بين أيدينا، وصبغة الله في قلوبنا، ولكنَّا سِئمنا البحث والسعي، فانطلقت حضارات بلا هداية من كتاب، ولا رشاد من وحي تبحث في النفس البشرية وقدراتها، فنجحت أحيانًا عندما تجردت للبحث، وفشلت كثيرًا لابتعادها عن الوحي.
وصدق الشيخ محمد الغزالي (رحمه الله) عندما صاغ ذلك في حكمة جميلة يقول: «وصدق من قال: الناس رجلان، رجل نام في النور، ورجل استيقظ في الظلام».
ويقول (رحمه الله) في كتابه القيم (جدد حياتك) الذي قرب لنا فيه كتاب الباحث الاجتماعي الأمريكي ديل كارنيجي (دع القلق وابدأ الحياة) من خلال قراءة قرآنية قرب فيها البحث الإنساني الجاد من الوحي الإلهي الصادق.
يقول (رحمه الله): «ونتاج الفطرة الإنسانية في البلاد المحرومة من أشعة القرآن الكريم نتاج واسع متفاوت القيمة.
والانحطاط الفكري في البلاد المحسوبة على الإسلام يثير اللوعة، أما اليقظة العقلية في الأقطار الأخرى فإنها تثير الدهشة».
ثم يقول: «ولا يحملنا على العزاء إلا أن هذه اليقظة صدى الفطرة التي جاء الإسلام يعلي شأنها، أما تخلف المسلمين فسببه الأول تنكرهم لهذه الفطرة السليمة، وتخاذلهم عن السير معها».
هم استطاعوا إدارة ذاتهم فنجحوا في كثير من الأحيان، رغم عدم وجود الوحي بين أيديهم.
ونحن، ومعنا الوحي، فشلنا لأننا لم نجعله لنا قدوة.
هم استغلوا كل القدرات التي وضعها الله فيهم فنجحوا في تحقيق أهدافهم في الدنيا، ونحن عطلنا قدراتنا، وأدرنا للوحي الهادي ظهرنا ففشلنا.
وصدق الله العظيم حين قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الأنفال: 53].
ولذلك لا يستطيع باحث في هذا المجال أن يتنكر للجهد الرهيب والإنتاج الوافر الذي أنتجته تجارب الغرب في مجال النفس والمجتمع والإدارة والقيادة وغيرها، ثم بالتجوال في تراثنا الذي يحتاج لإعادة تنسيق نجد كأن النبع واحد، ولا يستطيع أن يكذبني أحد إذا قلت إن الكثير من هذه الأفكار التي صاغتها الحضارة الغربية يحتاج إلى تراثنا، لنقص فيه قد تجد استكمالاً له في مثل هذه المقالات.
فما هي الذات؟ وكيف تديرها؟
قالوا عن الذات: إنها اتجاهــــات الشـــــخص ومشاعره عن نفسه.
وقالوا: إنها العمليات النفسية التي تحكم السلوك.
أما التعريف الأول: فخصوا به (موضوع الذات).
والتعريف الثاني: أرادوا به (عمل الذات).
وقد نقول عنها: ان الذات هي معرفتك لقدراتك واستخداماتك الامثل لهذه القدرات.
وهذا هو ما نقصده بقولنا: إن الطريق الأمثل للنجاح هو: إدارة الذات.
والله تعالى أخذ بتفكيرنا وبعقولنا وبأنفسنا إلى هذا المعنى في آية من ثلاث كلمات ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:21]، ولا بد أن ندرك أن النجاح يبدأ من عندنا نحن..
صدى الفشــــــل
كثير من الناس عندما تكلمه عن النجاح يقول لك: لا أمتلك من الظروف ما يدفع إلى النجاح.
الطالب تكلمه عن النجاح يرد عليك: ليس عندي مكان خاص بي مريح ومناسب للمذاكرة.
الموظف تكلمه عن النجاح والرقي يقول لك: مديري عقبة في طريقي.
المدير تكلمه عن نجاح شركته.. يتأسف على مجموعة الموظفين الفاشلين الذين يحيطون به.
الأم تكلمها عن تربية أولادها.. تقول .. أبوهم غير متعاون.
الأب تكلمه عن إدارة بيته وضبطه في الطريق إلى الخير يتحسر على الظروف التي لا تساعده وعلى الزوجة المعوِّقة.
عندما تُحدِّث الشباب عن المساجد والصلاة والعلاقة بالله يصرخون فيك ألا ترى الفتن من حولنا.
عندما تحدث البنات عن ستر العورات والانضباط والحياء.. يتحججون بالموضة ومسايرة العصر.. عندما تكلم من حولك عن الرشوة والأمانة والصدق.. الكل يتحجج بالظروف والناس.. والحياة.
هذه النوعية من الردود هي ترجمة لكلمة واحدة تعبر عن أصحابها وهي (الفشل).
ولكن من يعود إلى قوله تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ﴾ سيجد النجاح.
تقول له الآية: ابحث في نفسك عن مصدر الطاقة والقوة .. ابحث في ذاتك عن القدرات والمهارات..
ابدأ النجاح من داخلك.. وعندها ستتعلم كيف تتعامل مع الظروف ومع الناس ومع الحياة، ستتعلم كيف تكون فاعلا بعد أن كنت ولمدة طويلة مفعولا به.
والإدارة
وإذا نظرنا إلى تعريف (العملية الإدارية) عند علمائها قالوا: هي تحقيق أهداف محددة باستخدام الموارد المادية المتاحة.
فالإدارة هي: نشاط يسعى إلى تحقيق الهدف عن طريق:
1ـ تجميع الموارد والإمكانات.
2ـ حسن التوجيه والاستغلال.
إذن تستطيع الآن أن تضع معنا تعريفًا لإدارة الذات:
أليست هي: قدرة الفرد على توجيه مشاعره وأفكاره وإمكانياته نحو الأهداف التي يصبو إلى تحقيقها..
عندما ننظر إلى النبي × في غزوة بدر نجده ينظم الصفوف ويحدد إمكانياته جيدًا.. ويرد رجلا للخلف، ويقدم آخر للإمام ويسوي بين الصفوف..
يقول لهم: ارموا ولا تتقدموا إلا أن آذن لكم.
وفي غزوة أحد.. يحدد مكان المعركة، ويجعل جبل أحد العظيم خلفه يحمي ظهره.. ويجعل مجموعة من الرماة على جبل صغير إلى شماله سُمي بعد ذلك جبل الرماة.. وساحة المعركة التي حددها هو مفتوحة أمامهم.. ويقول لهم: لا تتركوا أماكنكم مهما كانت الظروف.
حتى في حياته كان × يدرس إمكانياته ويحدد وسائله على أساسها..
عندما يعظ النساء يجعل زوجته السيدة عائشة معه تساعد في الإجابة على ما يتحرج منه النساء، ومع أصحابه كان يدرس القدرات ويديرها كان معظم الصحابة لهم ألقاب تعبر عن أهم قدراتهم: أبو عبيدة (أمين الأمة)، خالد بن الوليد (سيف الله)، طلحة بن الزبير (حواري رسول الله).. عندما يسلم عمرو بن العاص وخالد بن الوليد يجعلهم قواد جيوش ومن جنودهم كبار الصحابة والمهاجرين والأنصار.
عندما يأتيه أبو ذر يطلب منه أن يوليه ولاية يقول له: إنك ضعيف وإنها أمانة..أي أن الولاية ليست من قدراتك..
إن إدارة الذات ليست الوقوف عند حدود القدرات، ولكن الاستغلال الأمثل والتوظيف المفجر للطاقات لهذه القدرات.
ومن خلال النظر إلى أكثر ما سجله الباحثون الاجتماعيون حول مبادئ النجاح والتفوق طبقًا للدراسات الميدانية لبعض الناجحين نجد أن أكثر هذه المبادئ انتشارًا بينهم هي عشرة كاملة يستطيع المرء من خلالها النجاح في إدارة ذاته وفهم نفسه: وضوح الهدف ، التفكير الجاد في الهدف ، التفكير الإيجابي المنطقي ، التخطيط ، الثقة بالنفس ، التعلم ، اتخاذ النموذج المناسب (القدوة) ، الصبر والثبات ، المثابرة والإصرار ، والقدرة على الاستمتاع بالوقت في طلب المراد.

ويقول الشيخ محمد الغزالي (رحمه الله) في مقدمة كتابه (جدد حياتك) الذي ناقش فيه كتاب (دع القلق وابدأ الحياة): «إذا كان ديل كارنيجي يحيا بقرائه في جو أمريكي بحت، فمن واجبي أن أعيش مع قرائي في جو عربي خالص، لا أتركه إلا للمقارنات الإنسانية الأخرى».
هذا ما قاله الشيخ (رحمه الله)، وأظن أنه واجب عليّ – وأنا أدعي أنني من تلاميذه – أن أقتدي به هنا.
وقد ييسر الله شرحا لهذه الخطوات العشرة في مقالات تالية وحتى ذلك الحين أريدك أن تتذكر أنه لكي تنجح في الحياة، وتحقق ما تريد من أهدافك فعليك أن تتعلم كيف تدير ذاتك..

د.أكرم رضا

للتحميل

Comments

comments