وضوح الهدف أن يكون محددًا..

وضوح الهدف أن يكون محددًا..

إذا سألت نفسك ما هدفك؟ ستعلم من خلال ألفاظ إجابتك هل هو واضح داخلك أم معتم.
سألت بعض أصدقائي الشباب عن أهدافهم فكانت كالآتي:
– هدفي أدخل الجنة.
– هدفي أن أتزوج.
– هدفي أن أعمل في وظيفة محترمة.
إذا اكتفينا بهذه العبارات فإننا لم نحدد الهدف، وإنما وضحنا الحلم..وعرفنا الأمنية، وأعني (بوضوح الهدف) تحويل الأحلام إلى واقع.
الأهداف الجزئية:
أشار أحد رؤساء شركة (كريزلر) لصناعة السيارات الأمريكية إلى هدف شركته بقوله:
«شركة كريزلر ليست فقط شركة لصناعة السيارات، ولكنها شركة تبيع وسيلة مواصلات مريحة، تخدم ركابها مدة أطول من الزمن».
إذن فلم تكن شركة كريزلر تملك الهدف فقط، وإنما كان الهدف محددًا واضحا، بل زاده دقة تحديد الهدف ووضوحه من خلال تفصيل الأهداف الجزئية.
قمة الأحلام:
إنه أمنية كل المؤمنين أن يدخلوا الجنة ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا﴾ [مريم:63].
وأحد أصدقائي كان له حالة عجيبة مع هذا الحلم، كان حاله مع الله مترديا جدًّا لا صلاة على وقتها، لا غض للبصر، لا ورع في عيش، وتجده يقول لك في شوق: أريد أن أموت شهيدًا!!
قلت له يومًا بعد أن فاض صبري منه:﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلاَ أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءً يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء:123].
ابتسم وقال: أعرف ماذا تقصد.. ولكني أريد أن أموت شهيدًا!!
قلت له وقد زادت عصبيتي: يا أخي.. كيف يحقق لك الله هذه الأمنية، وأنت لا تقوى أن تقوم لصلاة الظهر في وقتها؟!! فما بالك بالفجر؟!
إن الله تعالى يقول: ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾ [آل عمران:140]، أي أنه سبحانه وتعالى هو الذي يرشح ويختار من يستحق هذه المنزلة .
قال لي وهو يبتسم: «أنت لا تفهمني، الموت ليس أمنية في حد ذاتها، ولكن أنا عاوز حاجة بسرعة كده علشان أحقق حلمي بأن أدخل الجنة.. إنما صبر ومجاهدة وفتن.. دي حاجة صعبة».
هذا الصديق الكسلان لا يقوى أن يقوم من نومه فلذلك ما زالت أهدافه أحلاما … لم يستطع أن يدرس إمكانياته المتاحة ليحولها إلى حقائق.
أي طالب يريد أن ينجح.. وتجده يردد في أول العام هذه الكلمة كثيرًا: «إنني أسعى إلى التفوق».. وفي الأيام الأخيرة من العام تجده يلهث وهو يقول: «يا رب انجح..»
هذا الطالب لو كان قد حول أمنيته أول العام إلى أهداف وإجراءات، لو كان قال لنفسه: أريد أن أذاكر خمس ساعات في اليوم، وأذاكر كل مادة في ساعة، وأحدد ثلاث مواد لمذاكرتها.. وفي كل مادة عدد الصفحات المطلوبة.. لو فعل ذلك لاستيقظ من نومه، ولكنه أخلد إلى فراش الأحلام فثقل عليه تحقيقها.
الأرقــــــام:
وكان أبي رجلا تمرس الحياة، يريد لأبنائه التفوق، فكان يقول لنا: إذا أردت أن تحصل على تقدير(جيد جدًّا) فلا بد أن تفكر وتعمل للحصول على (الامتياز)، وإذا كان عملك وتفكيرك لتحصل على جيد فاحتمال نجاحك قد يكون بعيدًا.
هكذا كان أبي يفكر في صياغة الأهداف من حيث وضوحها ودقتها. وعلمني أن الهدف يزداد وضوحًا بمراعاة أمرين:
1- تفصيل الأهداف الجزئية.
2- وضع اعتبار للزمن والإمكانيات.
فلغة الأرقام والإجابة عن الأسئلة الداخلية خير معين على وضوح الهدف، ولكي يكون هدفك واضحًا يجب أن يكون محددا.
وتحديدك للهدف لا يجعلك تتخلى عن الأحلام فحدد هدفا يعبر الأحلام.
إذا أردت حياة زوجية سعيدة.. تعامل مع زوجتك على أنها صديقة وحبيبة وأم وأخت.
إذا أردت النجاح في وظيفتك.. تعامل معها على أنها متعة وليست تكليفا.
إذا أردت أن تنجح في تجارتك تعامل معها على أنها رسالة..
إذا أردت أن تدخل الجنة فاحلم بالفردوس الأعلى..
وتذكروا قوله صلى الله عليه وسلم: « إن الله تعالى جميل يحب الجمال و يحب معالي الأخلاق و يكره سفسافها» (صححه الألباني في صحيح الجامع).
الذكر وأعداده:
وأعود لأذكر أبي رحمة الله عليه.. أنه يذكرنا بالأرقام دائما.. لأن الأرقام تزيد الأهداف وضوحًا ودقة..
فعندما تحدث القرآن عن الذكر أطلقه فلم يحدده بعدد، يقول تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا﴾ [الأنفال:45]، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «أَلا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ، وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ إِنْفَاقِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ، وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى».(رواه الترمذي)
ولكن كثير من الأذكار يحددها صلى الله عليه وسلم بعدد منضبط من الأرقام فأذكار ختم الصلاة.. فيها التسبيح (33)، والتحميد (33)، والتكبير (33).
أما أذكار النوم ففيها التسبيح والتحميد (33)، والتكبير (34)..
ويقول صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ عَشْرَ مَرَّاتٍ عَلَى إِثْرِ الْمَغْرِبِ بَعَثَ اللَّهُ مَسْلَحَةً يَحْفَظُونَهُ مِنْ الشَّيْطَانِ حَتَّى يُصْبِحَ، وَكَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِهَا عَشْرَ حَسَنَاتٍ مُوجِبَاتٍ وَمَحَا عَنْهُ عَشْرَ سَيِّئَاتٍ مُوبِقَاتٍ، وَكَانَتْ لَهُ بِعَدْلِ عَشْرِ رِقَابٍ مُؤْمِنَاتٍ».(رواه الترمذي)
وهكذا رغم إطلاق الذكر، وأن الذكر الكثير مطلوب إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم يضع لبعض الأذكار تحديدا أكثر دقة وهو الترقيم ليجعل العملية في محيط التنفيذ، ويقول صلى الله عليه وسلم: «إِنِّي لأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ».(رواه الترمذي)
وهكذا في أمر واحد من أمور التعامل مع الله ومع الناس (الذكر) يجعل الرسول صلى الله عليه وسلم له شكلا من أشكال التحديد، فالتحديد الرقمي للأهداف (لغة الأرقام) يجعل الهدف واضحًا..
الإجـــــراءات:
وليس مجرد تحديد الأهداف يحققها، إنما يجب أن تتحول إلى إجراءات وأنشطة محددة يقول تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا﴾ [سبأ: 13]. هكذا (اعملوا) وليس (قولوا).
فالله ينظر إلى أفعالنا في الكون، ويباهي بها ملائكته، أما نياتنا فلا يعلمها إلا هو.
تسليط الأضـــــواء
وهكذا بتحديد الأهداف وتحويلها إلى إجراءات نكون قد سلطنا كل الأضواء على الهدف.
ولقد كشفت لنا الأضواء عن ثلاث صفات للهدف الواضح:
1- أن يكون دقيقًا لدرجة تحديد الأهداف الجزئية.
2- محددا بالكم والكيف والزمن.
3- واقعيًا بعيدًا عن الخيال والتفاهة.
ولذلك وضع علماء الإدارة عند دراسة التخطيط قاعدة هامة فقالوا: التخطيط ضروري لتحقيق الهدف والأهداف لازمة لرسم الخطة.

أنواع الأهــــــداف:
فحتى يتمكن علماء الإدارة من وضع خطط تجيب عن أسئلة مثل: كم؟ كيف؟ ومتى؟ قالوا: إن أنواع الأهداف ثلاثة:
1ـ أهداف المدى الطويل.
2ـ أهداف المدى القصير.
3ـ أهداف غير قابله للتحقيق.
وهذه الثالثة: هي الأهداف الخيالية غير المحددة بكم ولا زمن، فإياك من هذا النوع من الأهداف غير الواقعية. أو ضعها سريعًا في مفكرتك! فقد تكون أحلام الأمس حقائق الغد. ولكن لا تجعلها غطاء أمام عينيك فلا ترى الأهداف الأخرى التي يمكن تحقيقها.
وأخيرًا.. وأنت تضع الأضواء كلها فوق هدفك احذر أن تكون احتياجاتك وطموحاتك وأحلامك أكبر من إمكانياتك..
واحذر من مجرد بذل الجهد لتحقيق الهدف، ولكن لا بد من بذل الجهد في إطار الإجراءات التي وضعتها حتى لا يضيع هباء.
﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالأخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف:103 – 104].
د.أكرم رضا

للتحميل

Comments

comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*