(10) مظاهر نفسية لمرحلة المراهقة

(10) مظاهر نفسية لمرحلة المراهقة

رصد علماء التربية مجموعة من التغيرات النفسية بسبب البلوغ والدخول في مرحلة المراهقة ، وقبل أن نتكلم عنها تعالوا لنسمع بأنفسنا شكوى المراهقين
في دراسة قام بها الدكتور عبد الرحمن العيسوي حول سلوك المراهقين العرب سألهم سؤالين ، الاول : هل تشعر ببعض الآلام الجسمية ؟ وأجاب 50% من العينة بنعم
والثاني : هل تحب أن تنام أكثر من اللازم ؟ وكانت اجابة 32% تقريبا بنعم
فنصف العَيِّنة تقرِّر وجود آلام في الجسم ، وثلثها يقرر رغبته المتزايدة في النوم الناتج عن الكسل والخمول ، وهذا يدل على أن شكوى المراهقين من نموهم الجسمي فيها شيء من الصِّحَّة .
ولقد سجَّل علماء النفس حوالي عشرة مظاهر نفسية منتشرة بنسبة كبيرة عند المراهقين في مراحل المراهقة المختلفة ، وإن كانت تبدو واضحة في المرحلة المتوسطة (مرحلة الثانوي) وهي لا تتواجد مجتمعة في مراهق واحد ، وإنما قد تختلف من واحد إلى آخر ، ومن وقت لآخر ، وهذه المظاهر هي :
(1) الرغبة الشديدة في الانفراد والانعزال
يصل ميل الطفل إلى مصاحبة الآخرين إلى قمته في مرحلة الطفولة المتأخرة ، ثم سُرْعَان ما يحدث مع البلوغ – وفي فترة وجيزة – أن يفقد البالغ ميله إلى رفاق اللعب ، فينسحب من الجماعة، ويقضي معظم وقته وحده … وهذا الانفراد وتلك العزلة لن يستطيع اختراقها إلا الشخص الذي يثق به المراهق ، ويشعر معه بالأمان النفسي .
(2) النفور من العمل والنشاط
فبعد أن كان الصبيُّ في منتهى الحيوية والنشاط في الطفولة المتأخرة ، أصبح يبدو عليه التعب من العمل بشكل واضح ، ونتيجة لذلك يقل عمله في المنزل ، وقد يهمل واجباته المدرسية .
وهذا النفور ليس كسلا ، ولكنه نتيجة للنمو الجسمي السريع الذي يفوق طاقته ، ولا ينبغي أن يُلامَ الفتى أو الفتاة على هذا التغير ؛ فقد يؤدي ذلك إلى مزيد من النتائج غير السارة ، فيجب أن يُبَسَّطَ له العمل المطلوب منه ؛ حتى يسهل عليه الأداء .
(3) الملل وعدم الاستقرار
وسببه أن الأنشطة التي كان يستمتع بها وهو طفل قد أصبح لا يستمتع بها في فترة المراهقة ، وكذلك لا توجد أنشطة جديدة اكتشفها ليستمتع بها ، فإنه دائمًا يشعر بالملل ، فيجب على الوالدين إيجاد شكل من أشكال التجديد في أساليب الترفيه ، مع الاستجابة للولد أو للبنت في تحقيق بعض هواياتهم .
(4) الرفض والعناد
هو في الحقيقة على أعتاب الرجولة ، ويريد أن يُثْبِتَ لِمَن حوله أنه أصبح رجلا ؛ لأنهم يعاملونه على أنه لا يزال طفلا ، ومن هنا فلا بُدَّ أن يعرِّفهم أنه كَبُرَ ، ولا بُدَّ أن يعملوا له ألف حساب .
والمراهق طبيعته في هذه الفترة رفض الأوامر – خصوصًا مع الكبار – وخاصة الأم ؛ لأنها هي التي تظل معه فترة طويلة ، وهي التي كانت تعطيه الأوامر وهو طفل لعدم وجود الأب ، ولذلك فهو يريد أن يفهمها أنها مهما كانت أمًّا فهي امرأة وهو الرجل ، أمَّا البنت فتبدأ في التقرب من أبيها ومنافسة أمها عنده ، ونقد كل تصرفاتها أمام الأب ؛ لِلَفْتِ نَظَرِهِ ويلاحظ أن الأم في هذه المرحلة تفقد الكثير من أدوات السيطرة فالأمر يحتاج إلى وجود الأب..
والمفروض أن يثق بك المراهق من خلال ثقتك به ؛ فيطرح مشاكله أمامك ، وينصاع لك ؛ لأنه تعود معك المنطقية ، واحترام ما تَمَّ الاتفاق عليه، يقول سيدنا علي – رضي الله عنه – : «لاعِبْ ابنك سبعًا ، وأدِّبه سبعًا ، وصاحبه سبعًا» .
فَسِنُّ المراهقة هي سن المصاحبة ، ولا يجب توبيخه وضربه ، إنما يجب مصاحبته والتعامل معه كصديق ، ومن يفلح في هذا الأمر يستطيع قيادة المراهق بسهولة ويُسْرٍ .

(5) مقاومة السُّلطة
يحدث في هذه الفترة أكبر مقدار من النزاع بين المراهقين ووالديهم وبخاصة الأم ، ويسعى المراهق إلى مقاومة كل ألوان السُّلطة ، وحين يكتشف أن محاولاته تبوء بالفشل يزداد عنادًا ، إلا أن هذا كله يتناقص خلال النمو مع اكتمال النضج ، فلا ينبغي أن تكون أوامر الأم حادة وحازمة ؛ لأن معظم العناد والمقاومة يُوَجَّه إليها ؛ وذلك لاطلاعها على معظم تصرفاته منذ الطفولة ، والأفضل أن تُمَرِّر بعض الأخطاء الصغيرة دون أن تعلِّقَ عليها ؛ وألا تشعره أن كل حركاته مرصودة ويستحسن أن تستعين هنا بالأب أو الأخ الأكبر في توجيه المراهق .
(6) الاهتمام بمسائل الجنس
يؤدي نمو الأعضاء الجنسية في فترة البلوغ إلى تركيز اهتمام البالغ على مسائل الجنس ، إلى الحد الذي يشغل معظم وقته وتفكيره .
فيقرأ بعض الكتب أملا في الحصول على بعض المعلومات عن الجنس ، ويلجأ إلى بعض المصادر غير الدقيقة ؛ ليشبع نهمه في هذا الموضوع ، مثل : الأصدقاء ، أو الخَدَم ، أو الشارع ، أو الكتب
الرخيصة ، أو أفلام الجنس التي شاعت في السنوات الأخيرة ، وتُمَثِّل خطرًا بالغًا على البالغين في هذه الفترة بالذات ، وعلى الإنسان في مختلف مراحل عمره ، وقد يؤدي ذلك بالمراهق إلى بعض الانحرافات الجنسية .
وتبدأ هنا مرحلة التنميط الجنسي، ويبدأ كلُّ جنس يعرف عن نفسه الكثير حتى يعيش الدور سواء أكان رجلا أم بِنْتًا ، وهنا يبدأ العداء واضحًا بين الجنسين ؛ فتبدأ المشاكسات بينهما والمضايقات ، والتي لا تُعَبِّر عن حقيقة مشاعرهم ، وإنما هي نوع من التعبير العكسي .
فما المانع من تعليم المجتمع التربية الجنسية الصحيحة على أساس منهج إسلامي واضح ؟ !
وهذا الجانب بالذات – حاليًا – يتغلغل في الخفاء مثل الداء ، فلو استطعنا أن نعلم المراهقين ونعطيهم فكرة علمية صحيحة عن هذه الأجهزة الجسمية ، ووظائفها، والممارسات الصحيحة ، فسيكون ذلك أفضل من أن نتركهم للآخرين.
ومعظم المراهقين يقعون فريسة للعادة السرية ، والتي يتعلمها من «شِلَل الأقران»، فيجب عليك أن تتقرب من المراهق ليس فقط ليحكي لك عن علاقاته ، وإنما ليطلب منك العلاج ، فلو مَرَّ المراهق بظروف تربوية مناسبة في مرحلة الطفولة المتأخرة ، وفي بداية المراهقة فسيمر بمراهقة طبيعية .
(7) أحلام اليقظة
يسرح المراهق كثيرًا بخياله ، فيحل كثيرًا مِنْ مشاكله ، ولكن في عالم الخيال ، وتدور أحلامه حول (بطل مظلوم) والبطل بالطبع هو البالغ نفسه ؛ وقد يكون الظلم الذي يتخيله من نوع سوء الفهم ، أو سوء المعاملة التي يلقاها من الكبار .
وتكون أحلام اليقظة بهذه الطريقة مصدرًا مهمًّا للتعبير عن الانفعالات أو إشباع الدوافع ، فالمراهق يستمتع بالحلم – مهما تشتد المعاناة – لأنه يعلم أن نهايته دائمًا ستكون لصالحه حيث هو الذي سيصنعها في حلمه، إلا أن هذه الأحلام لها جوانب سيئة ؛ فكلما ازداد الفتى أو الفتاة اندماجًا في هذه الأحلام ازداد بُعْدًا عن الواقع ، وازداد تكيفه الاجتماعي سُوءًا .
والاستمرار في أحلام اليقظة بعد هذه المرحلة مَضْيَعَة لوقته وجهده ، ويفسد عليه عبادته ومذاكرته وتحصيله، وعلى المربي أن يأخذ بيد الصبي والفتاة نحو الواقع ، ويجعله يفكر بطريقة واقعية ، ويقلل من شروده ، ويقنعه بأن يحقق أحلامه في الواقع ، وأن يناقش معه مشكلاته ؛ حتى يستطيع طرحها والتعبير عنها .

(8) شدة الحياء
يشعر البالغ والبالغه بالحياء الشديد إذا دخل عليه أحد فجأة وهو يُبَدِّل ملابسه ، كما يخجل من شكل جسمه ، ويتخيل أن الناس ينظرون إليه وهو يسير في الشارع ، وحينما يجلس مع الكبار يَحَارُ في طريقة جلسته وفي وضع يديه ، وهذه أمور لم تكن تثير فيه مشاعر القلق في الطفولة . والحياء يعد أساس الشعور الخلقي فيما بعد .
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِي ﷺ قَالَ : «الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَان» رواه البخاري .
ولا يصح أن تضيِّع شدة حياء الفتى أو الفتاة حقًّا من حقوقهم .
عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: « الْحَيَاءُ خَيْرٌ كُلُّهُ »
رواه مسلم
ولكن الحياء الذي يُضَيَّع حقوق الناس ليس حياءً ؛ بل إنه نوع من الجبن أو الذل ، فلا بُدَّ أن يتعلم الفتى وتتعلم الفتاة التعبير عمَّا بداخلهما بصورة نظيفة وواضحة ، وبلا خوف أو خجل .
(9) نقص الثقة بالنفس
فالطفل الذي كان يزهو بنفسه يصبح عند البلوغ أقل ثقة بنفسه ، يشك في قدراته ، ويشعر بأنَّهُ أصبح أقل كفاءة من الناحيتين الشخصية والاجتماعية ، ولكنه يحاول أن يخفي هذا الشعور وراء كثير من أنماط العناد التي يبديها ، فقد يكون رفضه للأعمال والمهام المطلوبة منه ناشئًا عن خوفه من العجز ، كما يحاول أن يخفيه وراء كثير من التباهي والتفاخر بقدراته ، ثم الانسحاب وانتحال المعاذير حينما يُطْلَب منه أداء المهام التي يتباهى بقدرته عليها .
وينشأ معظم الشعور بعدم الثقةلدى المراهقين في فترة البلوغ مِمَّا يأتي :
1 – نقص المقاومة الجسمية ، والقابلية الشديدة للتعب .
2 – الضغوط الاجتماعية المستمرة التي تطلب منه القيام بمهام أكبر من قدراته .
3 – نقد الكبار لطريقته في أداء العمل ، أو لعدم قيامه به .
وعلى هذا ينبغي أن يوجِّه الكبار معظم تعاملهم معه لإعادة ثقته بنفسه ، وذلك بعدة أساليب :
1 -فلا يكلِّفون المراهق بجميع الأعمال التي يدَّعى أنه يجيدها ويحسنها.
2 -وحين يكلفونه ببعض الأعمال ينبغي أن تقدَّم له المساعدة الكاملة ، ولا يلام كثيرًا على عدم قيامه بالعمل.
3 – وأن يكلِّفوا المراهق بأعمال بسيطة يستطيع أداءها بسهولة ، ثم يُمْدَح كثيرًا كأنه قام بالمطلوب منه تمامًا .
4 – ولا بُدَّ من إشباع حاجته إلى النجاح ، والحاجة إلى التقدير ؛ لكي لا يفعل أفعالا توقعه تحت طائلة العقاب ، مدفوعًا إلى تأكيد ذاته الْمُفْتَقَدَة في هذه الفترة .
(10) الانفعال الشديد
غالبًا يكون الانفعال تجاه الكبار ؛ فهو حَسَّاس جدًّا ، ويشك في قدراته ، وليس لديه تآزر حركي ؛ فأي كلام مُوَجَّه من الكبار إلى المراهق يأخذه على أنه مُوَجَّه لشخصه ، ونقد لتصرفاته .
فلو أحبك المراهق لا تُوَجِّه إليه نقدًا مباشرًا أبدًا ؛ لأنك بذلك تكون قد انضممت إلى أعدائه .
وهو دائمًا يتخيل أن كفاءته الاجتماعية ضعيفة – أي كيفية التصرف في المواقف الاجتماعية– وخاصة في وجود الكبار ، أو في وجود الجنس الآخر ؛ فهو يفسر أي نظرة أو ابتسامة أو تعليق على كلامه أنها نوع من الاستهزاء به، ولو صدر منك ما ضايقه فلا تفسِّره له ثقة فى الصداقة التي بينكما ؛ حتى لا يختزنها في نفسه.
وهذا الاختزان يولِّدُ في النهاية الانفعالات الشديدة – وخاصة تجاه أي نقد من الكبار – حيث يقابله بثورة عارمة ، وهو يثور بسرعة ومرات كثيرة ، ويرضى بسرعة ، وقد يتوهم أن جميع مَنْ حوله لا يحبونه ، فيجب أن يكون الكبير منقذًا يستطيع أن يحكي له ويتبسَّط معه ، فيستطيع عندئذ أن يُوَجِّهه، وحبذا أن تكون نصيحة الكبار هي القدوة العملية أكثر من الكلام .
وينبغي عند نصح المراهق أن يسبق النصحَ مدحٌ لِمَا قدَّم من حسنات ، ثم نقول : حبذا لو فعلت كذا وكذا لتصبح أفضل . كما ينبغي التعبير للمراهق عن حب الكبار له ، وأنهم لم يقصدوا إهانته مطلقًا ، بل نصحه وتوجيهه .
وينبغي توضيح المواقف التي يغضب منها المراهق حتى يفهمها على وجهها المطلوب ، ولا يصح التعليق والسخرية من انفعال المراهق وحدته ، أو من طريقته في العمل ؛ حتى لا تزيد عزلته .
د.أكرم رضا

 للتحميل

Comments

comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*