المرأة الكريمة وصدقة الكلمات

 المرأة الكريمة وصدقة الكلمات

 

من مأثورات العرب أن بخل المرأة من صفاتها المحمودة كزوجة ! ولكن هناك مجالات ثلاث تستنكر فيها هذه الفكرة وهي: بخل الكلمة وبخل العاطفة وبخل المال

أما الكلمة فانظري إلى هذه المرأة التي كان مقالها البخيل وبالاً عليها:

عن الأوْزَاعِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ الزُّهْرِيَّ: أَيُّ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – اسْتَعَاذَتْ مِنْهُ؟ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- أَنَّ ابْنَةَ الْجَوْنِ لَمَّا أُدْخِلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – وَدَنَا مِنْهَا، قَالَتْ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ، فَقَالَ لَهَا: «لَقَدْ عُذْتِ بِعَظِيمٍ، الْحَقِي بِأَهْلِكِ» رواه البخاري

 نعم، فكما نقول في المثل: (النطق سعد).

ما هذا يا ابنة الجون؟!

هل هذه كلمة تقال في مثل هذا الموقف؟

وبالعكس عندما يعاتب النبي – صلى الله عليه وسلم – السيدة عائشة في كلمات رقيقة ماذا يكون ردُّها عليه؟

عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم -: «إِنِّي لأعْلَمُ إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً وَإِذَا كُنْتِ عَلَيَّ غَضْبَى، فَقُلْتُ: مِنْ أَيْنَ تَعْرِفُ ذَلِكَ؟ فَقَالَ – صلى الله عليه وسلم -: «أَمَّا إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً فَإِنَّكِ تَقُولِينَ: لا وَرَبِّ مُحَمَّدٍ، وَإِذَا كُنْتِ عَلَيَّ غَضْبَى قُلْتِ: لا وَرَبِّ إِبْرَاهِيمَ». قُلْتُ: أَجَلْ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَهْجُرُ إِلا اسْمَكَ. رواه البخاري

فهذا ردُّ أمِّ المؤمنين والمؤمنات عائشة -رضي الله عنها-؛ في عذوبة ورِقَّة الزوجة المحبَّة التي تنتقي أطيب الكلمات.

وكانت عندما تشتد غيرتها -رضي الله عنها- فيلومها النبي – صلى الله عليه وسلم – فتردُّ بلباقة: «وكيف لا أغار على مثلك؟».

عَنِ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا لَيْلا، قَالَتْ: فَغِرْتُ عَلَيْهِ، فَجَاءَ فَرَأَى مَا أَصْنَعُ، فَقَالَ: «مَا لَكِ يَا عَائِشَةُ؟ أَغِرْتِ؟» فَقُلْتُ: وَمَا لِي لا يَغَارُ مِثْلِي عَلَى مِثْلِكَ؟ رواه مسلم

وكانت تتمثل قول حسان بن ثابت عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم -:

ومثلكَ لم تَرَ قطُ عيني

 ومثلك لم تلدِ النساءُ

خُلِقْتَ مبرَّءًا من كلِّ عيبٍ

كأنك قد خُلِقْتَ كما تشاءُ

فَلِينُ المرأة بالقول لزوجها، وحسن الرد عليه، والكلمة الطيبة، ذلك كله

من الكرم وترك البخل.

وأيضًا أن تجود بعواطفها فلا تكتمها، وتعبِّرُ له عن حبِّها له، وعن فضله ومكانته لديها، حتى ولو كان كذبًا؛ فهو من المواضع التي أُذِنَ بالكذب فيها.

عَنْ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ عُقْبَةَ قَالَتْ: «مَا سَمِعْتُ رَسُولَ – صلى الله عليه وسلم – رَخَّصَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْكَذِبِ إِلا فِي ثَلاثٍ: الرَّجُلِ يَقُولُ الْقَوْلَ يُرِيدُ بِهِ الإصْلاحَ، وَالرَّجُلِ يَقُولُ الْقَوْلَ فِي الْحَرْبِ، وَالرَّجُلِ يُحَدِّثُ امْرَأَتَهُ، وَالْمَرْأَةِ تُحَدِّثُ زَوْجَهَا». رواه مسلم

وأورد أبو حامد الغزالي هذه القصة في (إحياء علوم الدين) فقال:

رُوِيَ أن أبي عذرة الدؤلي -وكان في خلافة عمر (رضي الله عنه)- كان يظلم النساء اللاتي يتزوج بهن، فاشتهر أمره بين الناس بما يكره، فلمَّا علم ذلك أخذ بيد رجل يثق به حتى أتى به إلى منزله، ونادى امرأته وسألها أمام الرجل: أنشدك بالله: هل تبغضيني؟

قالت: لا تنشدني -أي لا تجعلني أقسم- قال: فإني أنشدك بالله، قالت: نعم، فقال للرجل: أتسمع؟

ثم انطلق إلى عمر -رضي الله عنه- فقال له: «إنهم يحدثونك أنى أظلم النساء فاسأله» ، وأشار إلى الرجل، فسأله عمر ، فأخبره ما قالت.

فأرسل -رَضِيَ الله عنهُ- إلى المرأة، فجاءت هي وعمتها، فقال عمر: أنت التي تحدثين لزوجك أنك تبغضينه؟

فقالت: إنه ناشدني فتحرجت أن أكذب، أفأكذب يا أمير المؤمنين؟

فقال: «نعم فاكذبي، فإن كانت إحداكن لا تحب أحدنا فلا تحدثه بذلك؛ فإن أقل البيوت الذي يُبْنَى على الحب، ولكن الناس يتعاشرون بالإسلام والإحسان».

وإن كانت صَدَقَتُكِ بالكلمة الطيبة تفعل الخير كل الخير في البيت، وإن كانت دليلا على عدم بخلك، فما بالك إن تصدقتي من مالك على زوجك إن احتاج؟‍‍‍‍‍

ما بالك لو أنك لم تجعلين من قضية المال بينكما مشكلة، وخاصة إن كنت تعملين وتتقاضين راتبًا شهريًّا، وإن كان هو لا يقصر في حق بيته؟!

تعالي إلى زينب لنـتعلم منها:

عَنْ زَيْنَبٍ امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم -:«تَصَدَّقْنَ يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ».

قَالَتْ: فَرَجَعْتُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ فَقُلْتُ: إِنَّكَ رَجُلٌ خَفِيفُ ذَاتِ الْيَدِ، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – قَدْ أَمَرَنَا بِالصَّدَقَةِ، فَأْتِهِ فَاسْأَلْهُ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ يَجْزِي عَنِّي وَإِلا صَرَفْتُهَا إِلَى غَيْرِكُمْ، قَالَتْ: فَقَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ: بَلِ ائْتِيهِ أَنْتِ، قَالَتْ: فَانْطَلَقْتُ فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ بِبَابِ رَسُولِ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – حَاجَتِي حَاجَتُهَا، قَالَتْ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – قَدْ أُلْقِيَتْ عَلَيْهِ الْمَهَابَةُ، قَالَتْ: فَخَرَجَ عَلَيْنَا بِلالٌ، فَقُلْنَا لَهُ: ائْتِ رَسُولَ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – فَأَخْبِرْهُ أَنَّ امْرَأَتَيْنِ بِالْبَابِ تَسْأَلانِكَ: أَتُجْزِئُ الصَّدَقَةُ عَنْهُمَا عَلَى أَزْوَاجِهِمَا وَعَلَى أَيْتَامٍ فِي حُجُورِهِمَا؟ وَلا تُخْبِرْهُ مَنْ نَحْنُ، قَالَتْ: فَدَخَلَ بِلالٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – فَسَأَلَهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم -: مَنْ هُمَا؟ فَقَالَ: امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ وَزَيْنَبُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم -: أَيُّ الزَّيَانِبِ؟ قَالَ: امْرَأَةُ عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم -:«لَهُمَا أَجْرَانِ؛ أَجْرُ الْقَرَابَةِ، وَأَجْرُ الصَّدَقَةِ» رواه مسلم

د.أكرم رضا

للتحميل

Comments

comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*