كيف ترعى نيتك وتريد وجهه؟

كيف ترعى نيتك وتريد وجهه؟

قال الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف: 28]
بيَّن العلماء أن مفتاح العمل هو النية، وأن العمل الذى يقبله الله لا بد له من شرطين:
1- إخلاص النية لله.
2- موافقة الشرع قرآنًا وسنة.
لذلك يقول تعالى: ﴿وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [لقمان: 12]
وإسلام الوجه لله أى إخلاص القصد والنية له.
والإحسان أن يؤدى العمل على الصورة التى يريدها الله متبعًا لنبيهﷺ.
ويقول الفضيل بن عياض:
«إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لا يُقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يقُبل حتى يكون خالصًا صوابًا. والخالص: أن يكون لله، والصواب: أن يكون على السنة»
ثم قرأ قوله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: 110]
ويقول عبد الله بن مسعود : «لا ينفع قول إلا بعمل، ولا ينفع قول وعمل إلا بنية، ولا ينفع قول وعمل ونية إلا بموافقة السنة».
و[مراعاة النية] معلم رئيسي من معالم الإسلام المضيئة على الطريق إلى الجنة، وأحب أن أربط بين النية والكلمة القرآنية «يريدون وجهه». وحتى نتبين العلاقة بينهما ، تعالوا لننظر إلى هذه المجموعة من الآيات، وتعليق ابن كثير فى تفسيره عليها:
الآية الأولى: ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ الله وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: 272]
وابتغاء وجه الله، أى ابتغاء الثواب.
والمتصدق إذا تصدق ابتغاء وجه الله فقد وقع أجره على الله، سواء أكانت الصدقة على بر أو على فاجر.
وقد ورد فى الصحيحين عن أبى هريرة اأنه قال: قال رسول الله ﷺ: «قال رجل: لأتصدقن الليلة بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد زانية، فأصبح الناس يتحدثون: تصدّق على زانية! فقال: اللهم لك الحمد على زانية! لأتصدقن الليلة بصدقة فوضعها في يد غنى! فأصبحوا يتحدثون: تصدق الليلة على غنى! قال اللهم لك الحمد على غنى! لأتصدّقن الليلة بصدقة فوضعها في يد سارق، فأصبحوا يتحدثون: تصدق الليلة على سارق! فقال اللهم لك الحمد.. على زانية، وعلى غنى، وعلى سارق، فأتى فقيل له: أما صدقتك فقد قبلت، وأما الزانية فلعلها أن تستعف، ولعل الغنى يعتبر فينفق مما أعطاه الله، ولعل السارق أن يستعف بها عن سرقته»
الآية الثانية:﴿وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُريدُونَ وَجْهَ الله فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ [الروم: 39]
أي الذى يضاعف الله لهم الثواب والجزاء، كما جاء فى الصحيح عنه ﷺ: «وما تصدق أحد بعدل تمرة من كسب طيب إلا أخذها الرحمن بيمينه، فيربيها لصاحبها كما يربى أحدكم فلوه أو فصيله حتى تصير التمرة أعظم من أُحد»
والفلو والفصيل: هى صغار الإبل والخيل.
الآية الثالثة:﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ الله لاَ نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلاَ شُكُورًا﴾[الإنسان: 9]
ولوجه الله: أى رجاء ثواب الله ورضاه.
الآية الرابعة: ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يُريدُونَ وَجْهَ اللهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الروم: 38]
يريدون وجه الله: أي يريدون النظر إليه يوم القيامة وهو الغاية القصوى.
الآية الخامسة: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ﴾ [الرعد: 22]
ابتغاء وجه ربهم: ابتغاء ثواب ربهم.
الآية السادسة: ﴿وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: 2]
أى يريدون بذلك العمل وجه الله الكريم، وهم مخلصون فيما هم فيه من العبادات والطاعات.
الآية السابعة: ﴿وَمَا لأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى * إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأعْلَى﴾ [الليل: 19، 20]
أى طمعًا فى أن يحصل له رؤيته فى الدار الآخرة فى روضات الجنات.
الآية الثامنة: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: 27]
يخبر الله تعالى أنه لن يبقى بعد موت كل من فى السماوات والأرض سوى وجهه الكريم، فإنه – تعالى وتقدس – الحى الذى لا يموت أبدًا.
ووصف تعالى وجهه الكريم فى هذه الآية بأنه ذو الجلال والإكرام، أى هو أهل أن يجل فلا يعصى، وأن يطاع فلا يخالف، كقوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُريدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف: 28]
وكقوله إخبارًا عن المتصدقين: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ الله﴾ [الإنسان: 9]
وقال ابن عباس: «ذو الجلال والإكرام» أى ذو العظمة والكبرياء.
الآية التاسعة: ﴿لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ [القصص: 88]
وجاء فى الصحيح عن أبى هريرة تأن رسول الله ﷺ قال: «أصدق كلمة قالها شاعر، كلمة لبيد: ألا كل شىء ما خلا الله باطل»
وقال مجاهد – وهو تلميذ ابن عباس والثورى: إلا وجهه: أى إلا ما أريد به وجه الله من الأعمال الصالحة. وذكره البخارى فى صحيحه كالمقرر له قال: «كل شىء هالك إلا وجهه» إلا ملكه، ويقال: إلا ما أريد به وجه الله.
وهذا القول لا يتنافى مع القول الأول، فإن هذا إخبار عن كل الأعمال بأنها باطلة هالكة إلا ما أُريد به وجه الله تعالى من الأعمال الصالحة المطابقة للشريعة(راجع في كل ما سبق تفسير ابن كثير)
هكذا كان تفسير ابن كثير لمعنى «يريدون وجهه» ففسره بابتغاء الثواب، ورجاء رضاء الله، والإخلاص فى العمل، والشوق إلى النظر إلى وجه الله تعالى يوم القيامة فى روضات الجنات.
هل عرفنا الآن علاقة مراعاة النية وإرادة وجه الله؟ إنها الغاية القصوى التى يرجوها كل مؤمن ومسلم ومؤمنة ومسلمة.
إنها البداية الموفقة بالنية والتى تؤدى إلى النهاية الموفقة برؤية وجهه الكريم، حيث نهاية المطاف، وأفضل ما يعطاه مؤمن أو مؤمنة من أهل الجنة وهو: رضوان الله تعالى والنظر إلى وجهه الكريم.
يقول تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: 23]
ويحرم غير المؤمنين من هذه الكرامة، ويحرم من توجه لغيــــر وجه الله بعملـــه من تــلك النعمـــة، يقـــول تعــــالى: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: 15]
وروى مسلم فى صحيحه والترمذى فى سننه عن صهيب الرومى تأن رسول الله ﷺ قال: «إذا دخل أهل الجنة الجنة، يقول تبارك وتعالى: تريدون شيئًا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تُبيّض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة؟ وتنجنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب، فما أُعطوا شيئًا أحب إليهم من النظر إلى ربهم ﴿تبارك وتعالى﴾ ثم تلا هذه الآية: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: 26]
يقول الإمام الطحاوى عن رؤية وجه الله فى الجنة: «وهذه المسألة من أشرف مسائل الدين وأجلها، وهى الغاية التى شمر إليها المشمرون،وتنافس المتنافسون،وحرمها الذين هم عن ربهم محجوبون، وعن بابه مردودون» متن العقيدة الطحاوية.
والآن وقد اشتاقت القلوب لرؤية وجه الملك سبحانه وتعالى، ألا نسأل أنفسنا قبل أداء أى عمل هذا السؤال:
لمــن؟ ولمـــاذا؟
فإذا كانت الإجابة لله رب العالمين، ولأننا نريد وجهه مضينا، وإن كانت لدنيا أو لهوى وقفنا حتى نضبط نوايانا.
روى البخارى ومسلم عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه»
د.أكرم رضا

How to take care of your intention

 للتحميل

Comments

comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*